مقالة الباحث
التوحيد
لا تكفّروا أهل القبلة: التكفير والتبديع والاختلاف بين المسلمين، وطريق إصلاح ذات البين
Do Not Declare the People of the Qibla Unbelievers: Takfir, Tabdi' and Disagreement Among Muslims
هذه المقالة غرضها إصلاح ذات البين بين المسلمين، لا الانتصار لطائفة على طائفة. وطريقها أن نردّ ما وقع فيه المسلمون من تكفير وتبديع إلى ما قاله الله وقاله رسوله ﷺ، ثم إلى ما فعله الصحابة رضي الله عنهم، ثم نعرض ما قاله أئمة المذاهب، ونذكر كل نص كاملًا بمصدره، فإن الاقتطاع من الكلام كان من أكبر أسباب هذه الفتنة. وتركّز المقالة على ما وقع بين المنتسبين إلى أهل السنة، من حنابلة وأشاعرة وسلفيين وصوفية، لأنه أكثر ما يُسأل عنه، والأصول التي فيها عامة لكل من شهد الشهادتين.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]
أولًا: قال الله
١. لا تقولوا لمن أظهر الإسلام: لست مؤمنًا
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]
أمر الله بالتبيّن مرتين في آية واحدة، ونهى أن يُنفى الإيمان عمّن أظهر الإسلام، ولو كان ذلك في ساحة القتال.
٢. المؤمنون يبقون مؤمنين ولو اقتتلوا
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]
سمّى الله الطائفتين المقتتلتين «مؤمنين»، وجعل الواجب الإصلاح بالعدل، لا إخراج إحداهما من الدين.
٣. الاعتصام ونبذ التفرق
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١–٣٢]
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا﴾ [الحج: ٧٨]
٤. المرجع عند النزاع: الله والرسول
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
ما كان من عند الله لا يختلف ولا يتناقض. وما كان من عند غيره ففيه اختلاف كثير. وسنرى في هذه المقالة أن أقوال العلماء في التكفير قد تختلف، بل قد يختلف المصدر الواحد، أما نصوص القرآن والسنة الصحيحة في هذا الباب فمتفقة لا اختلاف بينها.
٥. لا مؤاخذة بالخطأ، ولا عذاب قبل البلاغ
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]
ثانيًا: قال رسول الله ﷺ
١. من قال لأخيه: يا كافر
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما».
وفي رواية في سبيل الرشاد: «إذا قال الرجل للرجل: يا كافر، فقد باء به أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت على الآخر».
عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك».
عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه».
عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله».
فالتكفير بغير حق ليس خطأً صغيرًا: يرجع على قائله، وجعله النبي ﷺ «كقتله».
٢. من قال: لا إله إلا الله
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ، فقال: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
وفي رواية عند مسلم: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» مسلم (٩٦).
عن المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ: أنه قال لرسول الله ﷺ: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تقتله» فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال».
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته».
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة».
٣. لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس
عن عتبان بن مالك رضي الله عنه، وهو ممن شهد بدرا من الأنصار، أنه أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله، أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله ﷺ: «سأفعل إن شاء الله» قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك» قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا فصفنا فصلى ركعتين ثم سلم، قال وحبسناه على خزيرة صنعناها له، قال: فآب في البيت، رجال من أهل الدار ذوو عدد، فاجتمعوا، فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخيشن أو ابن الدخشن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: «لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله» قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين، قال رسول الله ﷺ: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله».
عن علي رضي الله عنه، يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير، والمقداد بن الأسود، قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا حاطب ما هذا؟»، قال: يا رسول الله، لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرا ولا ارتدادا، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لقد صدقكم»، قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
فعلُ حاطب كان عظيمًا، وهو إفشاء سرّ النبي ﷺ إلى المشركين، ومع ذلك سأله النبي ﷺ عن قصده أولًا، وقبل عذره، ومنع عمر من الحكم عليه بالنفاق.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، يقول: بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ، لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر، بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع: إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء»، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال يا رسول الله اتق الله، قال: «ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله» قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي» فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله ﷺ: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، وأظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود».
٤. العذر بالجهل والخطأ
عن حذيفة رضي الله عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن رجلا حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا، وأوقدوا فيه نارا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يوما راحا فاذروه في اليم، ففعلوا، فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له».
هذا رجل شكّ في قدرة الله على إعادته، وهو أمر عظيم، فعذره الله لجهله وخوفه، وغفر له. ومن الصحيح كذلك أن رجلًا قال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، فقال النبي ﷺ: «أخطأ من شدة الفرح» مسلم (٢٧٤٧)، ولم يحكم عليه بشيء. فالكلمة نفسها قد تكون كفرًا، وقائلها لا يكفر لجهل أو خطأ.
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
٥. صفة الذين يكفّرون المسلمين
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: بعث علي رضي الله عنه، إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش، والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: «إنما أتألفهم». فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: «من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني» فسأله رجل قتله، - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى قال: «إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
وذكر البخاري في ترجمة الباب عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرى الخوارج شرار خلق الله، وقال: «إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين» البخاري، كتاب استتابة المرتدين، تعليقًا. وهذا ما حذّر منه ابن عمر: أن تُنزَّل آيات نزلت في الكفار على المسلمين.
٦. لا ترجعوا بعدي كفارًا
عن جرير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس» فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض».
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
ثالثًا: كيف اختلف الصحابة ولم يكفّر بعضهم بعضًا
لم يكن الصحابة رضي الله عنهم بلا اختلاف في الفهم، لكن اختلافهم لم يصر تكفيرًا ولا تبديعًا ولا تحزّبًا، لأنهم كانوا يردّون ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ، وكان النبي ﷺ يقرّ المجتهدين منهم ولا يعنّف أحدًا.
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي ﷺ، فلم يعنف واحدا منهم.
عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت رجلا قرأ آية، وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ﷺ فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».
عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».
وأنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وقالت: «من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب» البخاري (٤٨٥٥) — مسلم (١٧٧)، وكان غيرها من الصحابة يقول بخلاف ذلك، ولم يُنقل أن أحدًا منهم كفّر صاحبه أو بدّعه.
عن أبي وائل، قال: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره، فقال: «اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خصما إلا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له».
قال سهل هذا بعد صفين، حين اقتتل المسلمون: الرأي يُتَّهم، والمرجع أمر رسول الله ﷺ.
رابعًا: ما قاله أئمة المذاهب في التحذير من التكفير
هذه أقوال أئمة من المذاهب الأربعة، ومن الطرفين اللذين وقع بينهما أشد التكفير والتبديع. نذكرها كاملة كما في مصادرها، وكلها متفقة على أصل واحد: لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يُكفَّر المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة.
١. من الحنابلة: ابن تيمية
«هذا مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها: وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية… وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين… والتكفير هو من الوعيد. فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني… فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا».
ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3/229–231 (والمحذوف بين النقاط أمثلة من خلاف السلف ذكرها، ولا يغيّر المعنى)
«ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم».
ابن تيمية، الاستغاثة في الرد على البكري ص252–253
قال هذا لخصومه الذين امتحنوه وسجنوه. وكان البكري قد كفّره، فلم يقابله ابن تيمية بالتكفير، وقال في الموضع نفسه: «فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي». ومن الإنصاف أن يُذكر أن لابن تيمية أحكامًا شديدة في مقالات وطوائف بعينها، كحكمه على مقالات أهل وحدة الوجود (مجموع الفتاوى 2/128–130)، وعلى النصيرية الباطنية (مجموع الفتاوى 35/145–160)، فهو يحكم على المقالة، ويشترط في المعيّن قيام الحجة.
٢. من الحنابلة كذلك: محمد بن عبد الوهاب، بنص جوابه كاملًا
سئل عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: «أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها. والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان. وأيضا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر. فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع: النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس، أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله ﷺ ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس. النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر، من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول… النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا: كافر… النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر… فهذا الذي نقول. وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟ ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾. بل نكفر تلك الأنواع الأربعة، لأجل محادتهم لله ورسوله».
الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/102–104 (والمحذوف بين النقاط الآيات التي استدل بها لكل نوع)
فهو بنصه ينفي «التكفير بالعموم» و«تكفير من لم يكفّر»، ويعذر الجاهل الذي لم يجد من ينبهه. والتعبير بـ«الصنم» عمّا على القبور تعبيره هو، ولا يقرّه من يخالفه في هذه المسألة.
«وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه، ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله؛ وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه، أعظم أمور الدين… وأيضا: فما تنازع العلماء في كونه كفرا، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ. وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم».
عبد الله أبا بطين، من علماء الدعوة النجدية، الدرر السنية 10/374–375 (والمحذوف بين النقاط قوله: «وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها… فالواجب علينا: الاتباع وترك الابتداع»)
٣. من الشافعية: الأشعري والذهبي والغزالي والنووي وابن حجر
«رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي ﷺ: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم».
الذهبي، سير أعلام النبلاء 15/88 (والحديث الذي ذكره ابن تيمية ليس في الصحيحين، فنذكره لأنه من تمام النقل لا للاستدلال)
فإمام الأشاعرة وشيخ الإسلام عند الحنابلة انتهيا إلى القول نفسه، يشهد بذلك الذهبي، وهو تلميذ ابن تيمية.
«أما الوصية: فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله ﷺ بعذر أو غير عذر، فإن التكفير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه».
الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص247
«فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقامات التي لا يستقل بآحادها المبرزون علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره جاهل مجازف».
الغزالي، فيصل التفرقة ص250
«والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم».
الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد ص269–270
«واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره».
النووي، شرح صحيح مسلم 1/150
وذكر النووي في شرح حديث «أيما رجل قال لأخيه يا كافر» أن «المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع» (شرح مسلم 2/49–50). ونقل ابن حجر عن الخطابي: «أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين… وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام» (فتح الباري 12/300). فإذا لم يكفَّر من كفّر الصحابة، فكيف يكفَّر من دونه؟
٤. من المالكية: القاضي عياض
«والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الختم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحاتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر معاملاتهم. لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم. وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم».
القاضي عياض، الشفا 2/623، في أهل التأويل
٥. من الحنفية: الطحاوي وابن أبي العز
«ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله»، «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى».
أبو جعفر الطحاوي الحنفي (ت ٣٢١هـ)، العقيدة الطحاوية، كما في شرحها لابن أبي العز 1/355 و1/427
وقال شارحها ابن أبي العز الحنفي: «واعلم رحمك الله وإيانا أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء» (شرح العقيدة الطحاوية 1/355).
٦. من العلماء المعاصرين
«الأشاعرة من أهل السنة في غالب الأمور، ولكنهم ليسوا منهم في تأويل الصفات، وليسوا بكفار بل فيهم الأئمة والعلماء والأخيار، ولكنهم غلطوا في تأويل بعض الصفات».
عبد العزيز بن باز، مجموع فتاواه 28/257
«وأظن أن فضيلتكم يعلم أنه لا يخرج الأشاعرة والماتريدية من صف المسلمين إلا جاهل بحالهم، أو جاهل بأسباب الكفر والخروج عن الإسلام، أما أهل العلم بذلك فلم يخرجوهم من الإسلام، بل ولا من أهل السنة والجماعة في غير ما خالفوا به أهل السنة والجماعة».
محمد بن صالح العثيمين، مجموع فتاواه ورسائله 1/235
ودعا ابن باز في بيان «أسلوب النقد بين الدعاة» (مجموع فتاواه 7/311–313) إلى أن «يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان».
خامسًا: لماذا يبدّع بعضُهم الأشاعرةَ، وبماذا يجيب الأشاعرة
وُصف الأشاعرة عند بعض المنتسبين إلى السلف بأنهم مبتدعة، وهذا تبديع لا تكفير عند كبارهم كما سبق. وسببه كما يذكره أصحابه:
- صفات الله: أن الأشاعرة يؤوّلون أو يفوّضون صفات مثل الاستواء والعلو واليد والنزول، وأهل الحديث يثبتونها كما جاءت بلا تمثيل ولا تأويل، ويستدلون بمثل قوله ﷺ: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر» البخاري (١١٤٥)، وبحديث الجارية لما سألها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» مسلم (٥٣٧). ويجيبون عن تهمة التشبيه بأن الإثبات ليس تمثيلًا، كما جمع الله بينهما في آية واحدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
- الكلام: القول بأن كلام الله معنى واحد قائم بذاته.
- الإيمان والقدر: قال ابن تيمية: «الأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر»، وقال في الموضع نفسه: «وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث» (مجموع الفتاوى 6/55). وذمّ من كان يلعنهم فقال عن الهروي: «ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة» (مجموع الفتاوى 8/230).
وبماذا يجيب الأشاعرة؟
- أنهم أهل تنزيه لا تعطيل: يرون أن التأويل والتفويض تنزيه لله عن مشابهة خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأن حمل الصفات على ظاهرها الحسي تشبيه. وأقوى من قال هذا من داخل الحنابلة أنفسهم ابن الجوزي الحنبلي، فقد كتب عن بعض أصحابه: «فحملوا الصفات على مقتضى الحس»، و«لقد كسيتم هذا المذهب شينا قبيحا حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم» (دفع شبه التشبيه ص97–101). وهذا وصف ابن الجوزي لبعض أصحابه في زمانه، لا للحنابلة عامة، والحنابلة يرفضون نسبة التجسيم إليهم.
- أن التكفير بدأ من خصومهم: نقل ابن الجوزي عن كثير من أصحابه «تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع» وردّ عليه: «هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل» (ص102–104). واحتج السبكي على من حمل العوام على تكفير الشافعية والمالكية والحنفية بقوله: «فنحن نعلم بالقطع أن هؤلاء الطوائف الثلاثة… مسلمون ليسوا بكافرين»، واستدل بحديث «فقد باء بها أحدهما» (السيف الصقيل ص19).
- أن الأشاعرة جمهور علماء الأمة: ويذكرون أن كثيرًا من شرّاح الحديث وأئمة الفقه من الأشاعرة، كالنووي وابن حجر، فلا يصح إخراجهم من أهل السنة.
- ويجيب السلفيون بأن كثرة القائلين ليست دليلًا، وأن الأئمة الذين يُنسبون إلى الأشاعرة لهم مواضع وافقوا فيها أهل الحديث، وأن المحن والإيذاء وقعا من الطرفين في أزمنة مختلفة.
والإنصاف: ابن تيمية نفسه ذكر أن «الحنابلة والأشاعرة» لم يزالوا «متفقين إلى زمن القشيري، فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة» (مجموع الفتاوى 3/228–229). فالخلاف في الصفات قديم، ويرى ابن تيمية هنا أن الفرقة والقطيعة اشتدّت بعد فتنة القشيري. ووقع في الجهة الأخرى تبديع أيضًا: فقد حكم ابن حجر الهيتمي على ابن تيمية بأنه «مبتدع ضال» (الفتاوى الحديثية ص82–83). والحكَم بين الجميع قوله تعالى: [النساء: ٥٩] ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
وحتى المنتسبون إلى منهج واحد بدّع بعضهم بعضًا: فقد اتُّهم الشيخ الألباني بالإرجاء لقوله إن تارك الصلاة كسلًا لا يكفر، ودافع عنه علماء آخرون من المنهج نفسه. وهذا يشهد أن العلة ليست في الأشخاص، بل في جعل اجتهادات البشر امتحانًا للناس.
سادسًا: التصوف والطرق الصوفية: ماذا قيل فيها، وماذا يقول أهلها
التصوف من أكثر ما تُبادَل فيه تهم التبديع، وأحيانًا التكفير. وننقل هنا قول كل طرف بلفظه ومصدره، ثم ننظر فيما يتفقون عليه.
١. التصوف عمومًا في كلام الأئمة
قال ابن تيمية في وصف الخلاف في الصوفية:
«ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت "الصوفية والتصوف". وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة… وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. و"الصواب" أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج مثلا؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق. مثل: الجنيد بن محمد سيد الطائفة»
مجموع الفتاوى 11/17–18
وأئمة التصوف أنفسهم قيّدوا طريقهم بالكتاب والسنة. قال الجنيد: «من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة» (الرسالة القشيرية 1/79، ورواه الذهبي بإسناده بلفظ: «علمنا مضبوط بالكتاب والسنة» في سير أعلام النبلاء 14/66–67). وقال القشيري: «وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول» (الرسالة القشيرية 1/195). واحتج ابن تيمية بقول الجنيد في الاستقامة (1/97)، وابن القيم في مدارج السالكين (2/100).
وقال الشاطبي، وهو من أشد الناس على البدع: «فأول شيء بنوا عليه طريقتهم: اتباع السنة، واجتناب ما خالفها» (الاعتصام 1/119)، وله في الكتاب نفسه نقد طويل لبدع المتأخرين منهم. وقال ابن الجوزي: «والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون اليها بالسماع والرقص» (تلبيس إبليس ص199). فالنقد القديم كان في الغالب نقدًا لما أحدثه المتأخرون، لا حكمًا على كل من انتسب إلى التصوف.
٢. الطريقة النقشبندية
ما يقوله أهلها: تُنسب الطريقة إلى بهاء الدين نقشبند (ت ٧٩١هـ)، ومن أعلامها أحمد السرهندي (ت ١٠٣٤هـ) وخالد النقشبندي (ت ١٢٤٢هـ). قال خالد النقشبندي في وصفها إنها طريقة «أصولها التمسك بعقائد أهل السنة الذين هم الفرقة الناجية وترك التقاط الرخص والأخذ بالعزايم ودوام المراقبة»، وإنها «عبارة عن عزائم الكتاب والسنة»، وقال إنه «يبرأ إلى الله تعالى من كل من يخالف السنة والكتاب ولم يتبع هدى النبي والأصحاب» (رسالة في تحقيق الرابطة ص13–14). ونُقل عن السرهندي في ترجمته: «وأما الطريقة والحقيقة فهما خادمان للشريعة» (نزهة الخواطر، في ترجمته).
وأشهر ما يُنتقد عليهم «الرابطة»، وقد عرّفها خالد النقشبندي بأنها: «استمداد المريد من روحانية شيخه الكامل الفاني في الله بكثرة رعاية صورته ليتأدب ويستفيض منه في الغيبة كالحضور»، وردّ على من بدّعها فقال: «إن بعض الغافلين عن أسرار حق اليقين يعدون الرابطة بدعة في الطريقة ويزعمون أنها شئ ليس له أصل ولا حقيقة كلا إنها أصل عظيم من أصول طريقتنا العلية النقشبندية بل هي أعظم أسباب الوصول بعد التمسك التام بالكتاب العزيز و سنة الرسول» (رسالة في تحقيق الرابطة ص2–5).
ما قيل فيها: قال ابن باز: «هذه الطرق كلها مبتدعة، الشاذلية والرفاعية والنقشبندية والخلوتية والقادرية وغير ذلك، كلها طرق صوفية مبتدعة يجب تركها» (فتاوى نور على الدرب 3/173–174). وقال في جواب عن القادرية والنقشبندية: «وإذا كان فيه دعوى علم الغيب صار هذا أعظم نكارة وأخبث عملا، بل هذا هو الشرك لأن دعوى علم الغيب منكر وكفر» (3/234–235). وقال ابن عثيمين: «فأناشد هؤلاء الذين يسلكون هذه الطرق من الرفاعية والقادرية والنقشبندية وغيرهم أناشدهم الله عز وجل أن يرجعوا إلى دين الله وإلى سنة رسول الله ﷺ» (فتاوى نور على الدرب). وقال ابن تيمية في الذكر بالاسم المفرد: «والذكر بالاسم المفرد مظهرا ومضمرا بدعة في الشرع وخطأ في القول واللغة فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما لا إيمانا ولا كفرا» (مجموع الفتاوى 10/396).
فالحكم الصادر من هؤلاء على الطريقة تبديع، والكفر عندهم معلّق بفعل بعينه كدعوى علم الغيب، لا بمجرد الانتساب. وفي المقابل صنّف فقيه الحنفية ابن عابدين رسالة في نصرة شيخه خالد النقشبندي سمّاها «سل الحسام الهندي لنصرة سيدنا خالد النقشبندي» (رد المحتار 3/5). بل جاء الطعن على خالد النقشبندي في زمانه من شيخ صوفي قادري رماه بالكذب والزندقة ثم رجع وطلب الصلح، بحسب دراسة فرهاد شاكلي في كتاب «النقشبندية في غرب ووسط آسيا» (1999م، ص89–90). فالتبديع لم يكن بين السلفيين والصوفية وحدهم.
٣. الطريقة الكركرية
ما يقوله أهلها: طريقة معاصرة متفرعة عن الشاذلية، شيخها محمد فوزي الكركري، وزاويتها في العروي شمال شرق المغرب، وتقدّم نفسها بأنها «مالكية المذهب في الفقه، أشعرية العقيدة». ويقول شيخها: «هي طريق مبنية على نور الله.. على مثل نوره الذي مثله في كتابه»، يعني آية النور. ويلبس أتباعها المرقعة الملونة، ويقول ممثل الزاوية إنها لباس صوفي قديم يُعرف بالخرقة والمرقعة، وإنه رمز لتهذيب النفس، وإن النقد يأتي من تيار معيّن.
ما قيل فيها: نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة ١٤٤٢هـ (٢٠٢١م) رسالة بعنوان «آراء الطريقة الكركرية الاعتقادية: عرض ونقد»، ويذكر ملخصها من مسائل النقد: وحدة الوجود، والغلو في النبي ﷺ، و«الحقيقة المحمدية»، ودعوى ختم الولاية، ويصف ذلك بالعقائد الباطلة والبدع المحدثة. وفي الجزائر صدرت سنة ٢٠١٧م تحذيرات ومطالبات بوقف نشاطها، وتبرأت منها طرق صوفية جزائرية. ولم نجد فيها فتوى تكفير صادرة عن هيئة علمية أو عالم مسمّى؛ فالذي ثبت تبديع وتضليل وتحذير.
وفي تراث أهل العلم ما يُعرض عليه أمرها بإنصاف. فقد ذمّ ابن الجوزي من «يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لون فيجعلوها خرقا ويلفقونها»، وقال: «أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة» (تلبيس إبليس ص230–231). وفرّق ابن القيم بين ما يراه السالك من نور وبين نور الذات الإلهية: «ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارا بحسب استعدادها… ولكن تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف وصفاء البواطن والأسرار لا أنها أنوار الذات المقدسة» (مدارج السالكين 3/66). وأما حكم ابن تيمية بأن من ادعى رؤية الله بعينه في الدنيا «مبتدع ضال» (مجموع الفتاوى 6/512)، فلم نجد نصًّا موثقًا عن شيخ الطريقة يدعي رؤية ذات الله، والمنقول عنه «مشاهدة النور»، فلا يُنسب إليه ما لم يقله.
٤. التهمة متبادلة، والقاعدة متفق عليها
كما يبدّع بعضُ السلفيين الصوفيةَ، يصف بعضُ الصوفية من يكفّر بالتوسل بأنه على منهج الخوارج؛ فقد أنكرت دار الإفتاء المصرية على من جعل «التوسُّلَ والتبركَ بالأولياء والصالحين… شركًا بالله تعالى يُدخِل صاحبَه النار»، ووصفته بأنه «منهج الخوارج الذين يقاتِلون أهل الإسلام ويَدَعون أهلَ الأوثان» (الفتوى رقم 7041). وفي المقابل قال ابن باز عن الصوفية: «وهم يشتركون في البدعة، ولكنهم أقسام في الأحكام، منهم الكافر ومنهم المبتدع» (فتاوى نور على الدرب 3/238)، فلم يجعلهم صنفًا واحدًا. ونصّت «رسالة عمّان» على أنه لا يجوز تكفير من يمارس التصوف الحقيقي، ولا من يعتقد العقيدة الأشعرية، ولا من يعتقد الفكر السلفي الصحيح.
والطرفان متفقان في الأصل: الشريعة حاكمة على الطريقة والحقيقة، وما خالف الكتاب والسنة مردود، وهذا نص الجنيد والقشيري والسرهندي وخالد النقشبندي، وهو ما يحتج به ابن تيمية وابن القيم، حتى نقل ابن القيم: «كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر» (مدارج السالكين 3/142). وإنما الخلاف في تطبيق هذا الأصل على مسائل بعينها، كالرابطة والذكر بالاسم المفرد والمرقعة ودعوى المشاهدة. وهذه مسائل يُردّ فيها إلى الله والرسول [النساء: ٥٩]، ويُناقش فيها القائل بالحجة، ولا يُكفَّر بها مسلم بعينه حتى تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع.
سابعًا: من أين جاء التكفير بين المسلمين؟
زبدة الاختلاف: ترك الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة وما صح عن الصحابة. فالصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في الفهم، لكنهم لم يضعوا قوانين من عند أنفسهم يمتحنون بها الناس، ولم يكفّر بعضهم بعضًا، لأن مرجعهم كان واحدًا: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ولو بقي المسلمون على ما كان عليه الصحابة لما وقع كثير مما وقع.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]
نزلت هذه الآية في شكوى النبي ﷺ من قومه من قريش، قال ابن عاشور: «فحكيت شكاية الرسول إلى ربه قومه من نبذهم القرآن… أي عن التأمل فيه بعد أن جاءهم وتمكنوا من النظر»، وقال: «والمراد هنا ترك الاعتناء به وسماعه» (التحرير والتنوير 19/17). وقال السعدي: «أي: قد أعرضوا عنه، وهجروه وتركوه، مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه، والإقبال على أحكامه». فالهجر الذي ذمّه الله: ترك التأمل فيه وترك التحاكم إليه. والمسلم يُخشى عليه أن يقع في شيء من هذا الهجر، وإن لم يقع فيما وقعت فيه قريش، إذا صار القرآن عنده كتابًا يُتلى للبركة ويُعظَّم في المجالس، ثم لا يُتدبَّر ولا يُرجع إليه عند النزاع، ويُقدَّم عليه كلام الرجال، إلا من رحم الله. وقد أنزله الله ليُتدبَّر: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
ثم جاءت بعدهم قواعد وتقسيمات وعبارات صاغها علماء لأحوال زمانهم، يجتهدون فيها ويخطئون ويصيبون، ولم تكن في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة بألفاظها. ومنها:
- تقسيم التوحيد إلى «توحيد الربوبية» و«توحيد الألوهية» و«توحيد الأسماء والصفات»: اصطلاح متأخر لم يرد بهذه الألفاظ في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والتابعين. ويقول من يستعمله إنه استقراء لمعاني القرآن كما يُقسَّم النحو والفقه. لكنه لما صار عند بعض الناس ميزانًا يُمتحن به المسلمون، ويُبنى عليه الحكم بالشرك على من خالف فيه، صار من أكبر أبواب الخلاف بين المسلمين. ولو بقي الكلام في التوحيد بألفاظ القرآن: «الله ربنا وإلهنا، لا إله إلا هو، فاعبدوه»، لقلّ كثير من هذا الخلاف، فقد قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، فجمع الربوبية والألوهية في الأمر بالعبادة.
- «نواقض الإسلام» بصيغتها المعدودة، ومنها الناقض الثالث: «من لم يكفّر المشركين، أو شكّ في كفرهم، أو صحّح مذهبهم، كفر إجماعًا» (الدرر السنية 10/91). ويشترط علماء الدعوة في تكفير المعيّن قيام الحجة، كما في جواب ابن عبد الوهاب السابق (الدرر 1/102–104)، وجواب أبا بطين (الدرر 10/360–375).
- عبارة «وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر»، حكاها الغزالي في أول «فيصل التفرقة» عمّن رماه بالكفر لمخالفته، وردّها وهو أشعري، فليست قولًا معتمدًا عند الأشاعرة.
- ما نقله ابن الجوزي عن كثير من أصحابه الحنابلة من «تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع» (دفع شبه التشبيه ص102–104)، وردّه عليهم.
فمن جاء بعد هؤلاء العلماء فأخذ عباراتهم، وقد قيلت لوقت معيّن وظرف معيّن، فجعلها حكمًا عامًا يكفّر به المسلمين، فقد عمّم ما قيل في ظرف خاص، وجعل كلام البشر في منزلة الوحي. وهذا ما تراه هذه المقالة، ومن العلماء من يعدّ هذه القواعد عامة بضوابطها التي ذكرها أصحابها. وصدق الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وأقوال العلماء في التكفير قد يختلف بعضها عن بعض، بل في المصدر الواحد. ومن أمثلة ذلك:
- ابن عبد الوهاب يقول: «وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر… لأجل جهلهم وعدم من ينبههم» (الدرر 1/104)، وفي الكتاب نفسه رسالة لاحقة تقرر أنه لا يُعذر بالجهل في ذلك (الدرر 10/393). ويجمع علماء الدعوة بين القولين بالتفريق بين المسائل الظاهرة والخفية، وبأن «من بلغته رسالة محمد ﷺ وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة»، كما في جواب أبا بطين (الدرر 10/360–375).
- الذهبي يقول: «نعوذ بالله… أن نكفر مسلمًا موحدًا بلازم قوله وهو يفر من ذلك اللازم»، وقد كفّر بعض العلماء ابن تيمية، وبعضهم من كفّر من سمّاه «شيخ الإسلام»، كما سيأتي.
- الغزالي ينهى عن تكفير أهل القبلة، ويقول في الموضع نفسه عن الفرق المتأولة: «وهذه الفرق منقسمون إلى مسرفين وغلاة، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد يرى تكفيرهم وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر» (الاقتصاد في الاعتقاد ص269–270).
أما نصوص القرآن والسنة الصحيحة التي سبقت في أول المقالة فلا يناقض بعضها بعضًا: كلها تحرّم دم من قال لا إله إلا الله، وتنهى عن رمي المسلم بالكفر، وتعذر المخطئ والجاهل.
ثامنًا: من كفّر من؟ ومن بدّع من؟ وقائع من التاريخ
وقع التكفير والتبديع والتشنيع بين علماء كبار من أهل السنة أنفسهم، في كل الاتجاهات. نذكر هذه الوقائع بمصادرها للعبرة لا للطعن في أحد، ونذكر معها كلمة الإنصاف التي قالها العلماء فيها، فإنها هي الدرس.
١. في القرون الأولى
- الذهلي والبخاري: بدّع الإمامُ محمد بن يحيى الذهلي الإمامَ البخاري في مسألة اللفظ بالقرآن، فقال: «ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق، فهذا مبتدع، لا يجالس ولا يكلم. ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه»، وقال: «اللفظية عندي شر من الجهمية»، فخرج البخاري من نيسابور. وجواب البخاري: «القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة». وترك أبو حاتم وأبو زرعة حديثه لأجل ذلك (الجرح والتعديل 7/191). قال الذهبي: «إن تركا حديثه، أو لم يتركاه، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم» (سير أعلام النبلاء 12/391–471).
- محمد بن نصر المروزي: هجره علماء وقته لقول نُسب إليه في الإيمان، فقال الذهبي: «ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة» (السير 14/33–40).
- الطبري: شُنّع عليه ببغداد ورُمي بالرفض، حتى لزم بيته ودُفن في داره. قال ابن كثير: «ودفن في داره؛ لأن بعض الرعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من هذا ومن ذاك أيضا. بل كان أحد أئمة الإسلام في العلم بكتاب الله وسنة رسوله» (البداية والنهاية 14/849). وقال ابن خزيمة بعد أن قرأ تفسيره: «وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة» (السير 14/267–282).
- ابن خزيمة وتلاميذه: رمى ابن خزيمة كبار أصحابه بمذهب الكلابية وكذّبهم بناءً على ما نُقل إليه عنهم، فقال الذهبي: «ما هؤلاء بكذبة، بل أئمة أثبات، وإنما الشيخ تكلم على حسب ما نقل له عنهم. فقبح الله من ينقل البهتان، ومن يمشي بالنميمة». وقال في ابن خزيمة نفسه لما تأوّل حديثًا في الصفات: «ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا» (السير 14/365–383).
٢. ابن حزم بين من كفّر ومن بُدِّع
- ابن حزم في أقوال الأشعرية: حكم ابن حزم على أقوال للأشعرية بالكفر، فقال في مسألة القرآن: «فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله عز وجل ومخالفة للقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة» (الفصل في الملل 4/160). وحكمه هنا على المقالة، ولم نجد في هذا الموضع تكفيرًا لأعيانهم بأسمائهم.
- ابن العربي المالكي في ابن حزم: قال القاضي أبو بكر بن العربي عن ابن حزم: «سخيف كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم… ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا»، وقام عليه جماعة من فقهاء المالكية حتى أُحرقت كتبه بإشبيلية. فقال الذهبي: «لم ينصف القاضي أبو بكر - رحمه الله - شيخ أبيه في العلم، ولا تكلم فيه بالقسط»، وقال: «وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره، ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين»، وقال: «فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه» (السير 18/184–212). وقال ابن كثير: «وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (البداية والنهاية 15/796).
- ابن تيمية في ابن حزم: قال ابن تيمية: «وهذا مأخذ ابن حزم فإنه من نفاة الصفات مع تعظيمه للحديث والسنة والإمام أحمد ودعواه أن الذي يقوله في ذلك هو مذهب أحمد وغيره. وغلطه في ذلك بسبب أنه أخذ أشياء من أقوال الفلاسفة والمعتزلة عن بعض شيوخه ولم يتفق له من يبين له خطأهم» (منهاج السنة النبوية 2/584). وجعل الأشعري وأصحابه «أقرب إلى أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل القرآن والصفات» من ابن حزم (شرح العقيدة الأصفهانية 1/106–107). فهذا تخطئة شديدة مع إنصاف، لا تكفير ولا تبديع.
- تنبيه: لا يوجد كلام لابن حزم في ابن تيمية، لأن ابن حزم توفي سنة ٤٥٦هـ، وابن تيمية وُلد سنة ٦٦١هـ، أي بعد وفاته بنحو قرنين. فما يُتداول من «ردود ابن حزم على ابن تيمية» لا أصل له.
٣. بين الحنابلة والأشاعرة والمتصوفة
- الهروي: سُئل شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: لم تلعن أبا الحسن الأشعري؟ فقال: «لا أعرف أبا الحسن، وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء، وأن القرآن في المصحف، ويقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم ليس بنبي»، ثم امتُحن ونُفي من بلده (السير 18/503–518). وقال ابن القيم وهو يتعقّبه في مسائل: «شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك» (مدارج السالكين 2/37).
- فتنة ابن القشيري ببغداد سنة ٤٦٩هـ: تكلم ابن القشيري في الحنابلة «وينسبهم إلى التجسيم»، فقامت فتنة بين الحنابلة والأشعرية قُتل فيها رجل وجُرح آخرون (البداية والنهاية 16/59–60). وهذا مثال على أن الكلام بالتبديع لا يبقى في الكتب، بل ينتهي أحيانًا إلى الدم.
- ابن الجوزي والحنابلة: أنكر عليه حنابلة عصره كلامه في الصفات، فقال الموفق ابن قدامة: «إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ولا طريقته فيها»، ثم قال: «ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ». ولما قيل: ما رأيت أحدًا يُعتمد عليه راضيًا عنه، قال الذهبي: «إذا رضي الله عنه، فلا اعتبار بهم» (السير 21/365–384).
- الغزالي وإحراق «الإحياء»: أفتى فقهاء بالمغرب والأندلس بإحراق «إحياء علوم الدين»، وقال الطرطوشي: «فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض أكثر كذبا منه»، وقال القاضي ابن حمدين: «كتاب أبي حامد إمام بدعتهم»، فعلّق الذهبي: «ثم إن هذا القاضي أقذع، وسب، وكفر، وأسرف، نعوذ بالله من الهوى». ثم قال الذهبي: «ما زال العلماء يختلفون، ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكل منهم معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع، فهو مأزور»، وقال: «الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ» (السير 19/322–346).
- الأشاعرة والحنابلة عمومًا: قال الذهبي: «فحصل الشغب ووقعت البغضاء وبدّع هذا هذا وكفّر هذا هذا، ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين وأن نكفر مسلمًا موحدًا بلازم قوله وهو يفر من ذلك اللازم» (نقله ابن ناصر الدين في الرد الوافر ص20).
٤. ابن تيمية ومن جاء بعده
- تكفير ابن تيمية: كفّره البكري لإنكاره الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته، فلم يقابله بالتكفير. وسُجن مرارًا حتى مات في سجن القلعة سنة ٧٢٨هـ بسبب فتواه في شدّ الرحال. ثم صرّح علاء الدين البخاري بتكفير من سمّاه «شيخ الإسلام»، فردّ عليه ابن ناصر الدين الدمشقي في «الرد الوافر»، وقرّظه ابن حجر العسقلاني وغيره (الضوء اللامع 9/292–293).
- ابن حجر الهيتمي في ابن تيمية: قال: «ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله»، وقال: «ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال» (الفتاوى الحديثية ص82–83). وفي المقابل أثنى عليه ابن ناصر الدين ومن قرّظ كتابه من الشافعية وغيرهم، كما سبق.
- ابن عربي الحاتمي: اختلف فيه العلماء بين التكفير والتبرئة؛ فقال الذهبي عن «الفصوص»: «فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر»، ثم قال: «إن كان محيي الدين رجع عن مقالاته تلك قبل الموت، فقد فاز» (السير 23/48–49)، وصنّف البقاعي في تكفيره، وصنّف السيوطي في تبرئته. فالرجل الواحد حكم عليه علماء من أهل السنة بأحكام متضادة.
٥. في العصر الحديث
- الشيخ الألباني: رماه بعض المنتسبين إلى السلفية بالإرجاء لقوله في مسألة تارك الصلاة وعمل الجوارح. فقال ابن عثيمين لما سُئل عن ذلك: «لا أعلم له كلامًا يدل على الإرجاء أبدًا»، وقال عبد المحسن العباد: «وقد وقفت في كلامه على ما يوضح سلامته من الإرجاء» (نقلًا عن مصادر ثانوية). وهذا مثال على التبديع داخل التيار الواحد.
- بين البريلوية والديوبندية في الهند: كفّر أحمد رضا خان علماء من ديوبند في كتابه «حسام الحرمين» (١٣٢٤هـ/١٩٠٦م) لعبارات عدّها تنقيصًا لمقام النبي ﷺ، فردّ عليه خليل أحمد السهارنفوري بكتاب «المهند على المفند»، وكلا الفريقين حنفي المذهب (بحسب الدراسات، ولم نطّلع على نص الكتابين).
- إخراج طوائف من أهل السنة: صدر عن مؤتمر عُقد سنة ٢٠١٦م تعريفٌ لأهل السنة والجماعة نقلت الصحف أنه اقتصر على الأشاعرة والماتريدية وأهل التصوف، فخرج منه أهل الحديث والسلفيون. فقالت هيئة كبار العلماء في السعودية: «كل ما أوجب فتنة أو أورث فرقة فليس من الدين في شيء»، وقال شيخ الأزهر: «أهل الحديث من أهل السنة والجماعة». وفي المقابل أفتت دار الإفتاء المصرية بأن من رمى الأشاعرة بالخروج من أهل السنة «ومَنْ كفَّرهم أو فسَّقهم أو شكَّك في عقيدتهم فإنه يُخْشَى عليه في دينه» (الفتوى رقم 2370).
- الدعوة إلى الكفّ: صدرت ردود من داخل كل تيار؛ منها كتاب حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة»، وبيان ابن باز «أسلوب النقد بين الدعاة»، وكتاب بكر أبو زيد «تصنيف الناس بين الظن واليقين»، وكتاب عبد المحسن العباد «رفقًا أهل السنة بأهل السنة»، وقول ابن عثيمين: «ونعلم أن التكفير والتفسيق والتبديع والتضليل والقول بالإسلام أو الإيمان كله ليس راجع إلينا وإنما هو راجع إلى الله ورسوله» (فتاوى نور على الدرب)، و«رسالة عمّان» (٢٠٠٤–٢٠٠٥م) التي وقّعها مئات العلماء ونصّت على أنه لا يجوز تكفير أتباع المذاهب المعتبرة.
وفي كثير من هذه الوقائع يتكرر النمط نفسه: مسألة اجتهادية، ثم نقل عن الخصم غير محرَّر أو إلزام له بلازم قوله، ثم تبديع أو تكفير، ثم يأتي من بعدهم فيقول: «لم ينصف»، و«ظلمته»، و«ما هؤلاء بكذبة». ولو رُدّ الأمر من أوله إلى الله والرسول لما احتاج المتأخرون إلى الاعتذار عن المتقدمين.
تاسعًا: هل يصح تكفير أو تبديع من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟
الجواب من النصوص السابقة:
- الأصل فيمن شهد الشهادتين أنه مسلم، له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ البخاري (٣٩١)، ولا يُقال له: لست مؤمنًا [النساء: ٩٤].
- لا يُكفَّر بذنب ولو كان كبيرًا، فقد سمّى الله المقتتلين مؤمنين [الحجرات: ٩]، ولم يحكم النبي ﷺ بنفاق حاطب مع عظم فعله البخاري (٣٠٠٧).
- من قال قولًا هو كفر لا يُكفَّر بعينه حتى تقوم عليه الحجة وتزول عنه الشبهة والجهل [الإسراء: ١٥]، كما غفر الله للرجل الذي شكّ في قدرته البخاري (٣٤٥٢). وهذا ما قرره ابن تيمية وابن عبد الوهاب والنووي وعياض بنصوصهم السابقة.
- من رمى مسلمًا بالكفر وليس كذلك رجعت عليه البخاري (٦٠٤٥)، فالخطر على المكفِّر أعظم من الخطر على المكفَّر.
- التبديع كذلك: المجتهد المخطئ له أجر البخاري (٧٣٥٢)، والنبي ﷺ لم يعنّف أحدًا من المختلفين في صلاة العصر البخاري (٩٤٦). فإن كان في قول خطأ، بُيِّن الخطأ بالدليل وبالتي هي أحسن [النحل: ١٢٥]، ولم يُرمَ قائله بالبدعة.
- من لم يكن عالمًا يعرف هذه الشروط فليس له أن يتكلم في التكفير أصلًا [الإسراء: ٣٦]. قال الغزالي: «فإن التكفير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه».
ومن أقوال المحققين في هذا الباب، مما وقفنا عليه في الكتب المتاحة:
«وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي»
ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3/151 — وهو يصف مذهب أهل السنة
«وأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بالذنوب ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدا»
ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3/162 — من عقيدة أهل السنة في الأصول
«ينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة»
الغزالي، إحياء علوم الدين 3/118 — في آداب المناظرة والنصح
فهذه النصوص تقرر الأصل نفسه الذي قامت عليه المقالة: أهل القبلة لا يُكفَّرون بالذنوب، ويُنهى عن الطعن فيهم. وإنما يُختلف في تطبيق هذا على مسائل بعينها، وقد عرضناها بقدر ما تحتمله المقالة.
خاتمة: طريق إصلاح ذات البين
- نردّ كل خلاف إلى الله والرسول [النساء: ٥٩]، لا إلى أقوال الرجال، فهي تُعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما أُخذ، وما خالفهما تُرك، مع حفظ قدر أصحابها.
- نتسمّى بما سمّانا الله به: المسلمين [الحج: ٧٨]، ولا نجعل الأسماء الحادثة حدودًا يُوالى عليها ويُعادى.
- نقبل اختلاف الفهم كما قبله النبي ﷺ من أصحابه، ونقول لهم ما قال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا» البخاري (٣٤٧٦).
- نحذر من نقل الكلام مقطوعًا عن سياقه، فكثير مما يُتداول في هذا الباب منسوب إلى غير قائله أو مبتور، والله يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨].
- نتذكر وصية النبي ﷺ في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» البخاري (١٢١).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسبيل الرشاد — بأرقامها المذكورة في المتن.
- ابن تيمية: مجموع الفتاوى (جمع ابن قاسم) 2/128–130، 3/228–231، 6/55، 8/230، 35/145–160؛ الاستغاثة في الرد على البكري، تحقيق عبد الله السهلي، ص252–253.
- الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن قاسم: 1/102–104، 10/91، 10/360–375، 10/393.
- الذهبي: سير أعلام النبلاء 12/391–471، 14/33–40، 14/66–67، 14/267–282، 14/365–383، 15/88، 18/184–212، 18/503–518، 19/322–346، 21/365–384، 23/48–49.
- ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 7/191.
- ابن كثير: البداية والنهاية (ط. هجر) 14/849، 15/796، 16/59–60.
- ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/155–162.
- ابن تيمية: منهاج السنة النبوية 2/584؛ شرح العقيدة الأصفهانية 1/106–107؛ مجموع الفتاوى 6/512، 10/396، 11/17–18.
- ابن القيم: مدارج السالكين 2/37، 2/100، 3/66، 3/142.
- القشيري: الرسالة القشيرية 1/79، 1/195.
- الشاطبي: الاعتصام 1/119.
- ابن الجوزي: تلبيس إبليس ص199، 230–231.
- الغزالي: إحياء علوم الدين 3/118.
- خالد النقشبندي: رسالة في تحقيق الرابطة ص2–5، 13–14.
- ابن باز: فتاوى نور على الدرب 3/173–174، 3/234–235، 3/238؛ ابن عثيمين: فتاوى نور على الدرب.
- دار الإفتاء المصرية: الفتوى رقم 7041، والفتوى رقم 2370.
- عبد الكريم بهدي: آراء الطريقة الكركرية الاعتقادية: عرض ونقد، رسالة علمية، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٤٢هـ.
- الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص247–250؛ الاقتصاد في الاعتقاد ص269–270.
- النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم 1/150، 2/49–50.
- ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 12/300.
- القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/623.
- ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار 3/5.
- ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص97–104.
- تقي الدين السبكي: السيف الصقيل ص19.
- ابن حجر الهيتمي: الفتاوى الحديثية ص82–83.
- ابن ناصر الدين الدمشقي: الرد الوافر ص20–21؛ السخاوي: الضوء اللامع 9/292–293.
- ابن باز: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 7/311–313، 28/257؛ ابن عثيمين: مجموع فتاوى ورسائل 1/235.
- رسالة عمّان، ٢٠٠٤–٢٠٠٥م.
كتب أخرى في العقيدة والتوحيد والمسائل، متاحة في المكتبة
- كتاب التوحيد — محمد بن عبد الوهاب
- كتاب التوحيد — ابن خزيمة
- كتاب التوحيد — ابن منده
- كتاب التوحيد — الماتريدي
- الإبانة عن أصول الديانة — الأشعري
- الإبانة الكبرى — ابن بطة
- مقالات الإسلاميين — الأشعري
- الفرق بين الفرق — البغدادي
- الملل والنحل — الشهرستاني
- شرح العقيدة الطحاوية — ابن أبي العز
- الحموية الكبرى — ابن تيمية
- التدمرية — ابن تيمية
- الإيمان — ابن تيمية
- الاعتقاد — البيهقي
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة — اللالكائي
- السنة — الخلال
- شرح السنة — البغوي
- الأسماء والصفات — البيهقي
- بيان تلبيس الجهمية — ابن تيمية
- الرد على الجهمية — الدارمي
- نقض الدارمي على المريسي
- العلو للعلي الغفار — الذهبي
- إثبات صفة العلو — ابن قدامة
- تعريف أهل التقديس — ابن حجر
- توضيح التوحيد
- رسالة التوحيد — محمد عبده
- الإيمان — عبد الرحمن آل الشيخ
- فتح المغيث — السخاوي
- الاعتبار — الحازمي
- الإحكام في أصول الأحكام — ابن حزم
- المغني — ابن قدامة
- المجروحين — ابن حبان
- الطبقات الكبرى — ابن سعد
تنبيه: أرقام صفحات كتب العلماء بحسب النسخ التي رُجع إليها، وقد تختلف يسيرًا عن بعض الطبعات المطبوعة.