مقالة مبنية على أسئلة المشاركين
التوحيد
التثليث في القرآن، وحقيقة الروح ومم خُلقت
Trinity in the Quran, and what the spirit is made of
What is the holy trinity according to quran, if we are mind body and soul, and the body is made from clay, what is the spirit made of?
السؤال ثلاثة أجزاء: ما التثليث في القرآن؟ وهل ينقسم الإنسان فيه إلى عقل وجسد وروح؟ ومم خُلقت الروح؟ وهذه الأجوبة مبنية على ما في المصادر المتاحة وحدها، وما لم يرد فيها لا يُقال فيه شيء.
قال الله تعالى
قال تعالى في التثليث: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» [النساء: ١٧١]. فالقرآن لا يقرّ «ثالوثًا مقدسًا»: ينهى عن قول «ثلاثة»، ويأمر بالإيمان بالله ورسله، ويجعل المسيح رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحًا منه، ويقرر أن الله إله واحد.
وقال تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ» [المائدة: ٧٢]. فالمسيح نفسه دعا إلى عبادة الله ربه وربهم، فلا يصح أن يُجعل شريكًا في الألوهية.
ووصفُ المسيح بأنه «روح منه» لا يعني أنه جزء من الله ولا إلهًا ثانيًا؛ فالآية نفسها تقرن ذلك بقولها «رَسُولُ اللَّهِ» وبالنهي عن «ثَلَاثَةٌ»، وبأنه تعالى «إِلَٰهٌ وَاحِدٌ».
قال رسول الله ﷺ
ولم أجد في الأحاديث الصحيحة المتاحة بيانًا لمادة الروح، ولا تقسيمًا للإنسان إلى «عقل وجسد وروح»؛ فلا يُنسب إلى النبي ﷺ قول في ذلك.
هل ينقسم الإنسان إلى عقل وجسد وروح؟
هذه الصيغة، «عقل وجسد وروح» أو «ثالوث الإنسان»، لم ترد في النصوص الصحيحة المتاحة بهذا التركيب. فلا يُبنى عليها حكم ولا يُنسب إلى القرآن تقسيم للإنسان على هذا النحو، وإنما نتكلم بألفاظ القرآن والسنة: خلق الله الإنسان، ونفخ فيه من روحه.
مم خُلقت الروح؟
في كتب الحديث والتاريخ أخبار كثيرة عن خلق آدم من قبضة قبضها الله من جميع الأرض، وأنه خُلق من طين، ثم نفخ فيه من روحه (أبو داود، ت ٢٧٥هـ: ٤/٢٢٩، ح ٤٦٩٣) (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ١/٢٢) (ابن بطة، ت ٣٨٧هـ: ٤/١٥١، ح ١٥٩١). غير أن حديث «قبضة قبضها من جميع الأرض» لم يوجد في سبيل الرشاد ولا في الصحيحين فلا يُستشهد به هنا، ولا يُنقل لفظه، وكذلك الآثار التي فيها أن الروح دخلت آدم شيئًا فشيئًا، فلا يثبت منها شيء في المصادر الصحيحة المتاحة (عبد الرزاق، ت ٢١١هـ: ٣/٢٦٧، رقم ٥٥٨١) (ابن بطة، ت ٣٨٧هـ: ٤/١٥١، ح ١٥٩١).
أما مادة الروح نفسها فلم يرد في المصادر الصحيحة المتاحة نصٌّ يبيّن أنها مخلوقة من شيء بعينه، ولا ما هي. والواجب الوقوف عند ما قاله الله ورسوله ﷺ وعدم تكلف ما لم يُخبر به، إذ لا يُنسب إلى الله ولا إلى رسوله ما لم يرد.
تنبيه
في كتب الفرق والكلام وكتب المتأخرين أقوال في «النفس» و«الجوهر» وبقاء النفس وإعادتها (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٣٥) (الشهرستاني، ت ٥٤٨هـ: ١/٦٧)، وهي اصطلاحات لم يستعملها النبي ﷺ ولا الصحابة ولا التابعون، ولا يُبنى عليها حكم في هذه المسألة. وكلمة «الروح» في اللغة تأتي بمعان متعددة، منها نسيم الريح وما به حياة الحيوان (ابن منظور، ت ٧١١هـ: ٢/٤٥٥) (الفيومي، ت نحو ٧٧٠هـ: ١/٢٤٥)، فلا يصح أن يُستدل بمعنى لغوي على حقيقة الروح التي نفخها الله في الإنسان.
الخلاصة
لا تثليث في القرآن بمعنى إثباته؛ بل نهى عنه صراحة وقرّر أن الله إله واحد وأن المسيح عبده ورسوله وكلمته وروح منه [النساء: ١٧١] [المائدة: ٧٢]. أما تقسيم الإنسان إلى «عقل وجسد وروح» فلم يرد بهذه الصيغة في المصادر المتاحة، وكذلك لم يرد فيها بيان مادة الروح، فيُتوقف عندها ولا يُقال فيها بالرأي.
المراجع
- سنن أبي داود، أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ)، ت. محمد محيي الدين عبد الحميد · المكتبة العصرية · نص مشروع OpenITI. (أبو داود، ت ٢٧٥هـ: ٤/٢٢٩، ح ٤٦٩٣)
- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)، ت. محمد عبد القادر عطا · دار الكتب العلمية · ١٤١٠هـ · نص مشروع OpenITI. (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ١/٢٢)
- المصنف لعبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ)، ت. حبيب الرحمن الأعظمي · المجلس العلمي، الهند · ١٤٠٣هـ · نص مشروع OpenITI. (عبد الرزاق، ت ٢١١هـ: ٣/٢٦٧، رقم ٥٥٨١)
- لسان العرب، ابن منظور (ت ٧١١هـ)، دار صادر · الطبعة الثالثة ١٤١٤هـ · نص مشروع OpenITI. (ابن منظور، ت ٧١١هـ: ٢/٤٥٥)
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد الفيومي (ت نحو ٧٧٠هـ)، المكتبة العلمية · بيروت · نص مشروع OpenITI. (الفيومي، ت نحو ٧٧٠هـ: ١/٢٤٥)
- الإبانة الكبرى، ابن بطة العكبري (ت ٣٨٧هـ)، ت. رضا معطي وعثمان الأثيوبي ويوسف الوابل وآخرين · دار الراية، الرياض · نص مشروع OpenITI. (ابن بطة، ت ٣٨٧هـ: ٤/١٥١، ح ١٥٩١)
- الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)، دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI. (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٣٥)
- الملل والنحل، الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ)، مؤسسة الحلبي · نص مشروع OpenITI. (الشهرستاني، ت ٥٤٨هـ: ١/٦٧)
- القرآن الكريم، [المائدة: ٧٢]
- القرآن الكريم، [النساء: ١٧١]