مقالة الباحث
السيرة
التابعون والتوحيد: مجالس الجيل الأول مع الصحابة
The Successors and Tawhid: The First Generation's Gatherings with the Companions
من هم التابعون؟
نقل ابن الصلاح عن الخطيب البغدادي: «التابعي من صحب الصحابي» (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٣٠٢). فالتابعون هم الذين صحبوا أصحاب رسول الله ﷺ، وأخذوا عنهم.
وقد جعلهم علماء الحديث طبقات؛ فذكر الحاكم، فيما نقله ابن الصلاح، «أن التابعين على خمس عشرة طبقة» (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٣٠٢)، وقال ابن حجر في مقدمة «تقريب التهذيب»: «الثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضرما صرحت بذلك. الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٧٥). والمخضرمون، كما قال ابن الصلاح: «هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم» (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٣٠٣).
وفي هذه المقالة نجلس إلى عشرة من التابعين الأوائل، من الطبقتين الثانية والثالثة: نعرف كل واحد منهم من كتب الرجال، ونسمع قصته مع الصحابة، ثم ننظر كيف تكلّم في التوحيد، وكيف كان يردّ كلامه إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وماذا فعلوا حين اختلفوا.
وكلهم قبل الأئمة الأربعة: ماتوا جميعًا بين سنة اثنتين وستين وسنة سبع عشرة ومائة، أما أبو حنيفة فمات «سنة خمسين على الصحيح» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٦٣) أي سنة خمسين ومائة، ومالك «كان مولده سنة ثلاث وتسعين» ومات «سنة تسع وسبعين» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥١٦) أي سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي «مات سنة أربع ومائتين» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٤٦٧)، وأحمد بن حنبل «مات سنة إحدى وأربعين» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٨٤) أي سنة إحدى وأربعين ومائتين. فهؤلاء شيوخ الجيل الذي تعلّم منه الأئمة، لا تلاميذهم.
وقبل البدء تنبيه على منهج النقل: لا نستشهد إلا بما صحّ سنده، وهو ما ورد في «سبيل الرشاد» و«صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» بالأسانيد المتصلة. أما ما ذكره البخاري معلّقًا بلا إسناد، فلم نستشهد منه إلا بما وجدنا له إسنادًا صحيحًا؛ وما لم نجد له ذلك تركناه، وبيّنا علّته في آخر المقالة. وأخبار سيرهم وأحوالهم من كتب التراجم أخبار تاريخية تُروى لحكاية القصة، لم نفحص أسانيدها، فلا يُبنى عليها حكم ولا عقيدة.
يحيى بن يعمر: سؤالٌ في موسم الحج
من هو؟ قال ابن حجر: «يحيى بن يعمر … البصري نزيل مرو وقاضيها ثقة فصيح وكان يرسل من الثالثة مات قبل المائة وقيل بعدها» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٩٨). وقال ابن سعد: «وكان نحويا صاحب علم بالعربية والقرآن … وكان ثقة» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٧/٢٦٠، رقم ٣٦٢٢)، وذكر أنه كان يقضي بين الناس في السوق والطريق: «وربما جاءه الخصمان وهو على حمار فيقف على الحمار حتى يقضي بينهما» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٧/٢٦٠، رقم ٣٦٢٢). وذكر الذهبي أنه حدّث عن «أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر - مرسلا -. وعن: عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٤٤١، رقم ١٧٠).
القصة: قال يحيى: «كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨)، ثم خرج مع صاحبه حميد بن عبد الرحمن الحميري حاجَّين أو معتمرَين، وتمنَّيا لقاء صحابي يسألانه. قال يحيى: «فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨).
فأخبره يحيى أنهم «يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨)، فأجاب ابن عمر: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨). ولم يكتفِ ابن عمر بقوله، بل حدّثهما عن أبيه عمر حديث جبريل، وفيه في تعريف الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨).
الدرس: مسألة من صميم الإيمان بالله، حسمها التابعي بسؤال صحابي، وحسمها الصحابي بحديث رسول الله ﷺ.
مسروق بن الأجدع: «أنظريني ولا تعجليني»
من هو؟ قال ابن حجر: «مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي ثقة فقيه عابد مخضرم من الثانية مات سنة اثنتين ويقال سنة ثلاث وستين» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٢٨). وذكر ابن سعد أنه لما وفد على عمر بن الخطاب سأله عن اسمه، فقال: «مسروق بن الأجدع. قال: الأجدع شيطان ولكنك مسروق بن عبد الرحمن. فكان يكتب: من مسروق بن عبد الرحمن» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٦/١٣٨، رقم ١٩٧٧). وكان علي بن المديني يقول: «لا أقدم على مسروق أحدا من أصحاب ابن مسعود» (ابن الجوزي، ت ٥٩٧هـ: ٢/١٥، ح ٣٨٠)، ويُروى من كلام مسروق: «بحسب المؤمن من الجهل أن يعجب بعمله، وبحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله» (ابن الجوزي، ت ٥٩٧هـ: ٢/١٥، ح ٣٨٠).
القصة: كان مسروق متّكئًا عند عائشة، فقالت له: ثلاث من تكلّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قال: «قُلْتُ مَا هُنَّ قَالَتْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلاَ تَعْجَلِينِي أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/١٦١، ح ١٧٧).
فانظر إلى أدب التابعي: يعترض على أم المؤمنين، لكن بآيتين من كتاب الله. وانظر إلى جوابها: «أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/١٦١، ح ١٧٧)، ثم قرأت عليه: «أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/١٦١، ح ١٧٧). وفي رواية البخاري أنه سألها: «هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٦/١٤٠، ح ٤٨٥٥).
الدرس: التابعي يستدلّ بآيتين، فتبيّن له الصحابية معناها بحديث رسول الله ﷺ وبآيتين أخريين. هكذا كان النقاش في مسألة رؤية الله عند الجيل الأول، وسيأتي أن ابن عباس كان له فيها قول آخر.
سعيد بن المسيب: الكلمة التي أُريدت من أبي طالب
من هو؟ قال ابن حجر: «سعيد بن المسيب بن حزن … القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار من كبار الثانية اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علما منه» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢٤١). ووصفه الذهبي بأنه «عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٢١٧، رقم ٨٨). وذكر ابن الجوزي أنه ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر، وأنه كان يقول: «ما بقي أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، مني» (ابن الجوزي، ت ٥٩٧هـ: ١/٣٤٦، ح ١٥٩). وروى ابن الجوزي عن مالك أن رجلًا جاءه وهو مريض مضطجع فسأله عن حديث، فجلس فحدّثه، ثم قال: «إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع» (ابن الجوزي، ت ٥٩٧هـ: ١/٣٤٦، ح ١٥٩).
وأبوه المسيب بن حزن صحابي: «له ولأبيه صحبة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٣٢)، وعنه سمع سعيد القصة الآتية.
القصة: في «سبيل الرشاد» عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: أي عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» (سبيل الرشاد: ١/١٢، ح ٧). فقال له الرجلان: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟»، وفي صحيح مسلم: «فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٥٤، ح ٢٤). فقال رسول الله ﷺ: «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، فأنزل الله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: 113] [التوبة: ١١٣]، وأنزل في أبي طالب: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: 56] [القصص: ٥٦] (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٦/١١٢، ح ٤٧٧٢).
الدرس: هذا الحديث يرويه التابعي عن أبيه الصحابي، فيحفظ للأمة أن مفتاح التوحيد كلمة واحدة: لا إله إلا الله، وأن القرابة من النبي ﷺ لا تغني عنها.
أبو العالية الرياحي: العبد الذي رفعه العلم
من هو؟ قال ابن حجر: «رفيع بالتصغير ابن مهران أبو العالية الرياحي … ثقة كثير الإرسال من الثانية مات سنة تسعين وقيل ثلاث وتسعين وقيل بعد ذلك» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢١٠). كان مملوكًا لامرأة من بني رياح، فأعتقته؛ قال ابن سعد: «أعتقته امرأة من بني رياح سائبة» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٧/٧٩، رقم ٢٩٩٠). قال الذهبي: «أدرك زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه … وحفظ القرآن، وقرأه على: أبي بن كعب» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٢٠٧، رقم ٨٥).
القصة: يُروى عن أبي العالية أنه قال: «كان ابن عباس يرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش. فقال ابن عباس: هكذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٢٠٧، رقم ٨٥).
كلامه في التوحيد: روى أبو العالية عن ابن عباس في رؤية النبي ﷺ ربَّه قولًا يخالف قول عائشة الذي سمعه مسروق؛ ففي صحيح مسلم: «عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قَالَ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/١٦١، ح ١٧٦). وساقه مسلم في الباب نفسه الذي ساق فيه حديث مسروق عن عائشة.
الدرس: صحابيان كبيران اختلفا في مسألة من مسائل الإيمان بالله، وكلٌّ منهما يستدلّ بآية، والتابعون حملوا القولين جميعًا بأسانيدهما. وسنعود إلى هذا حين نسأل: هل تفرّقوا لما اختلفوا؟
مجاهد بن جبر: ثلاث عرضات على ابن عباس
من هو؟ قال ابن حجر: «مجاهد بن جبر … أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير وفي العلم من الثالثة مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٢٠). وقال قتادة: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٤٤٩، رقم ١٧٥). ويُروى عنه أنه قال: «صحبت ابن عمر، وأنا أريد أن أخدمه، فكان يخدمني» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٤٤٩، رقم ١٧٥). وذُكر أنه مات وهو ساجد (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٦/١٩، رقم ١٥٤١).
القصة: قال مجاهد: «عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية، أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٤٤٩، رقم ١٧٥). وفي رواية ابن سعد: «عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٦/١٩، رقم ١٥٤١).
كلامه في التوحيد: علّق البخاري في أول كتاب الإيمان قول مجاهد في آية الشورى (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ١/١٠)، ووصله ابن حجر بإسناده فقال: «… شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ووصاك به وأنبياءه دينا واحدا … وهذا إسناد صحيح» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٢/٢٤). وقد ورد القول نفسه في «تفسير مجاهد» (مجاهد، ت ١٠٤هـ: ١/٥٨٨)، لكن سنده لم يثبت عندنا، فلا نبني عليه شيئًا. ومعناه هو نصّ الآية نفسها: ﴿۞ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وهي الأصل الذي يُرجع إليه.
وعلّق البخاري في كتاب التوحيد قول مجاهد في الاستواء: «وقال مجاهد: {استوى} [البقرة: 29]: «علا» {على العرش} [الأعراف: 54]» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٩/١٢٤)، ووصله ابن حجر بالإسناد نفسه من طريق ورقاء: «فقال الفريابي في تفسيره ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى 54 الأعراف {استوى على العرش} قال علا على العرش» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٥/٣٤٥)، والفريابي «ثقة فاضل» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥١٥). فهو الإسناد الذي قال فيه ابن حجر: «وهذا إسناد صحيح».
الدرس: التوحيد عند مجاهد دين واحد للأنبياء كلهم، يقرؤه من آية. وفسّر لفظ الاستواء بكلمة واحدة من لغة العرب: «علا»، ولم يزد عليها.
عكرمة مولى ابن عباس: خلافٌ بين صحابيَّين يحسمه الحديث
من هو؟ قال ابن حجر: «عكرمة أبو عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة من الثالثة مات سنة أربع ومائة وقيل بعد ذلك» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٣٩٧).
وقد تُكلّم فيه، ولذلك نصّ ابن حجر على أنه لم يثبت تكذيبه ولا بدعته. وسُئل أيوب السختياني عنه فقال: «لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه» (المزي، ت ٧٤٢هـ: ٢٠/٢٧٥).
القصة: يُروى عن عكرمة أنه قال: «كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن ويعلمني السنة» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٥/٢١٩، رقم ٩٠٤). والكبل: «القيد من أي شيء كان» (ابن منظور، ت ٧١١هـ: ١١/٥٨٠). وقيل لسعيد بن جبير: أتعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: «نعم، عكرمة» (المزي، ت ٧٤٢هـ: ٢٠/٢٧٢)، وقال الشعبي: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة» (المزي، ت ٧٤٢هـ: ٢٠/٢٧٢).
ما رواه: في صحيح البخاري عن عكرمة قال: «أُتي عليٌّ رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٩/١٥، ح ٦٩٢٢). والزنادقة هنا قوم تركوا التوحيد بعد أن دخلوا فيه، كما يدل عليه تبويب البخاري: «باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم».
الدرس: صحابيان، علي وابن عباس، اختلفا في الحكم، فلم يحتجّ ابن عباس برأيه، بل بحديثين لرسول الله ﷺ. وتلميذه عكرمة حفظ الخلاف بنصّه كما وقع.
طاوس بن كيسان: «كل شيء بقدر»
من هو؟ قال ابن حجر: «طاوس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي يقال اسمه ذكوان وطاوس لقب ثقة فقيه فاضل من الثالثة مات سنة ست ومائة وقيل بعد ذلك» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢٨١). قال الذهبي: «ولازم ابن عباس مدة، وهو معدود في كبراء أصحابه» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٥/٣٨، رقم ١٣)، وروى الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال: «أدركت خمسين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٥/٣٨، رقم ١٣). ويُروى عن ابن عباس أنه قال: إني لأظنّ طاوسًا من أهل الجنة (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٥/٣٨، رقم ١٣). وذكر ابن سعد أنه مات بمكة قبل يوم التروية بيوم سنة ست ومائة، وأن الخليفة هشام بن عبد الملك صلّى عليه (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٦/٦٦، رقم ١٧٥٤).
كلامه في التوحيد: في صحيح مسلم عن طاوس أنه قال: «أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ. قَالَ وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ أَوِ الْكَيْسُ وَالْعَجْزُ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ٤/٢٠٤٦، ح ٢٦٥٦).
الدرس: لم يقل طاوس رأيًا في القدر، بل شهد بما أدرك عليه الصحابة، ثم أسنده إلى رسول الله ﷺ بلفظه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ٤/٢٠٤٦، ح ٢٦٥٧): ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
ابن أبي مليكة: «فاحذروهم»
من هو؟ قال ابن حجر: «عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة … التيمي المدني أدرك ثلاثين من الصحابة ثقة فقيه من الثالثة مات سنة سبع عشرة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٣١٢). قال الذهبي: «وقد ولي القضاء لابن الزبير، والأذان أيضا» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٥/٨٨، رقم ٣٠)، وحدّث عن «عائشة أم المؤمنين، وأختها أسماء … وابن عباس … وابن عمر، وابن الزبير» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٥/٨٨، رقم ٣٠).
القصة: قال ابن أبي مليكة: «بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فقلت لابن عباس: إن هذا قد بعثني على قضاء الطائف ولا غنى بي عنك أن أسألك. فقال لي: نعم فاكتب إلي فيما بدا لك أو سل عما بدا لك» (ابن سعد، ت ٢٣٠هـ: ٦/٢٤، رقم ١٥٤٧). قاضٍ يتولّى الحكم، ثم يستأذن صحابيًّا في أن يسأله.
ما رواه: روى ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات}، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله» إلى آخر الآية، ثم قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٦/٣٢، ح ٤٥٤٧). وأورده مسلم في باب عنوانه: النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متّبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن (مسلم، ت ٢٦١هـ: ٤/٢٠٥٤، ح ٢٦٦٥).
الدرس: حمل هذا التابعي إلى الأمة تحذير رسول الله ﷺ ممن يترك المحكم الواضح من القرآن ويتتبّع المتشابه طلبًا للفتنة.
كيف كانوا يستدلّون؟
- القرآن أولًا: مسروق اعترض على عائشة بآيتين، وعائشة أجابته بآيتين، وابن عباس استدلّ بآيات سورة النجم، ومجاهد قرأ وحدة الدين في آية الشورى، وفسّر الاستواء بلفظ «علا».
- ثم بيان رسول الله ﷺ: عائشة ردّت على مسروق بقول النبي ﷺ «إنما هو جبريل»، وطاوس أسند «كل شيء بقدر» إلى النبي ﷺ، وابن عباس ردّ على عليٍّ بحديثين.
- ثم سؤال الصحابة: يحيى بن يعمر سأل ابن عمر في حجّه أو عمرته، وأبو سلمة وعطاء بن يسار سألا أبا سعيد الخدري.
- ثم الرواية كما سمعوها: حمل التابعون أقوال الصحابة حتى حين اختلفت، ولم يُسقطوا قولًا لأنه خالف قول شيخهم.
هل تفرّقوا لما اختلفوا؟
ما أمر الله به: قال الله تعالى: ﴿۞ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشورى ١٣)، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. فنهى الله عن التفرّق في الدين، وعن أن يصير أهله شيعًا.
اختلفوا في الفهم وبقوا يردّون الأمر إلى النص: رأينا عائشة تقول لمسروق: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ورأينا ابن عباس يروي عنه أبو العالية أنه رآه بفؤاده مرتين، وكلٌّ منهما استدل بالآيات. ولم نجد في هذه الروايات أن أحدًا منهم نفى عن صاحبه الإيمان لأجل هذا الخلاف، فقد كان الخلاف في فهم النص، والرجوع فيه إلى النص. أما من أنكر القدر فقد تبرّأ منه ابن عمر صراحة وردّ قوله بحديث جبريل، لأن قوله خالف النص الصريح.
ومن تفرّق؟ نجد في الصحيحين طائفتين خرجتا في زمن الصحابة، فسأل عنهما التابعون:
- الذين قالوا لا قدر: وهم الذين سأل عنهم يحيى بن يعمر ابنَ عمر، فقال ابن عمر: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨)، ثم احتجّ عليهم بحديث جبريل. وكانوا قد خالفوا ما أدرك عليه طاوسٌ الصحابةَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ٤/٢٠٤٦، ح ٢٦٥٦).
- الحرورية: وهنا قصة تابعيَّين آخرين: أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال فيه ابن حجر: «ثقة مكثر من الثالثة مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٦٤٥)، وعطاء بن يسار مولى ميمونة: «ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة من صغار الثانية مات سنة أربع وتسعين» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٣٩٢). أتيا أبا سعيد الخدري، «فسألاه عن الحرورية: أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم، - أو حناجرهم - يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٩/١٦، ح ٦٩٣١).
فهل كانت الطائفتان اللتان تفرّقتا على باطل؟ الجواب في النصوص نفسها لا في رأي أحد:
- القول الذي فارقت به الطائفة الأولى، إنكار القدر، ردّه ابن عمر بحديث رسول الله ﷺ، وتبرّأ من أصحابه، وأخبر أن عملهم لا يُقبل «حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨).
- والطائفة الثانية وصفها رسول الله ﷺ بأنهم «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٩/١٦، ح ٦٩٣١) مع كثرة صلاتهم وقراءتهم، وحذّر في حديث عائشة ممن يتّبع المتشابه: «فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٦/٣٢، ح ٤٥٤٧).
- ولاحظ أدب أبي سعيد: لم يقل «الحرورية كذا»، بل قال: «لا أدري ما الحرورية»، ثم روى الصفة كما سمعها من رسول الله ﷺ. فالحكم يقع على القول والوصف اللذين جاءا في النص، ولا يُعلَّق على اسم جماعة ولا على أعيان الناس.
الخلاصة في هذه المسألة: اختلف الصحابة والتابعون في الفهم، وبقوا جماعة واحدة يردّون خلافهم إلى القرآن والسنة. أما من فارقهم بقول خالف النص الصريح، كإنكار القدر، أو كان من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم «يمرقون من الدين»، فقد ردّ الصحابة قوله بالنص وحذّروا منه، والنص هو الذي حكم عليه.
بين كلامهم وكلام من جاء بعدهم
جمل قصيرة تبيّن الفرق، ولا يُقصد بها ذمّ أحد:
- التابعون نقلوا التوحيد بألفاظ النص: «قل: لا إله إلا الله» (سبيل الرشاد: ١/١٢، ح ٧). وبعد قرون وُضعت لمعاني التوحيد أسماء اصطلاحية؛ فذكر ابن أبي العز (ت ٧٩٢هـ) في «شرح العقيدة الطحاوية» أن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: «أحدها الكلام في الصفات، والثاني توحيد الربوبية … والثالث توحيد الإلهية» (ابن أبي العز، ت ٧٩٢هـ: ١/٧٦)، وجاء في رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦هـ) في «الدرر السنية» (علماء نجد، ت ١٣٩٢هـ: ١/٦٤): «التوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير، عن الملائكة، والأنبياء، وغيرهم؛ وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام» (علماء نجد، ت ١٣٩٢هـ: ١/٦٥). والمعنى الذي قرّروه له شواهد في القرآن، والجديد هو هذه الأسماء، ولم ترد في شيء مما نقلناه عن التابعين في هذه المقالة.
- التابعون إذا اختلفوا في مسألة من الإيمان سألوا صحابيًّا، فأجابهم بحديث (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٦، ح ٨). واستعمل الغزالي (ت ٥٠٥هـ) في إثبات حدوث العالم اصطلاحي الجوهر والعرض: «الجوهر لا يخلو عن كمون الحركة فيه أو ظهورها» (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٦٢)، ولم يستعملهما التابعون فيما نقلناه عنهم.
ما تركناه ولماذا
ذكر البخاري لبعض هؤلاء التابعين أقوالًا في التوحيد والإيمان معلّقة بلا إسناد، فبحثنا عمّن وصلها، فلم نجد لها فيما رجعنا إليه من المصادر إسنادًا صحيحًا، فلم نستشهد بها:
- قول عكرمة في قوله تعالى ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾: «فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٩/١٥٢). وصله ابن حجر من طريق أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٥/٣٦٠)، وسماك بن حرب قال فيه ابن حجر: «صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيّر بأَخَرة، فكان ربما تلقّن» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢٥٥)؛ فهذه روايته عن عكرمة نفسه، وهي الرواية التي وُصفت بالاضطراب.
- قول أبي العالية: «{استوى إلى السماء} [البقرة: 29]: «ارتفع»» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٩/١٢٤). والطريق الذي فيه هذا اللفظ عند ابن حجر من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٥/٣٤٤)، وأبو جعفر الرازي «صدوق سيئ الحفظ» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٦٢٩)، والربيع بن أنس «صدوق له أوهام» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢٠٥).
- قول ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه» (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ١/١٨). وأحد الطريقين اللذين وصله بهما ابن حجر فيه الصلت بن دينار (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٢/٥٢)، وهو «متروك ناصبي» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢٧٧)، والآخر فيه يحيى بن يمان (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٢/٥٢)، وهو «صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغيّر» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٩٨).
الخلاصة
التابعون الأوائل لم يتركوا لنا متونًا في التوحيد ولا تقسيمات، بل تركوا مجالس: تابعي يسأل صحابيًّا، وصحابي يجيب بآية أو بحديث رسول الله ﷺ. فمن أراد التوحيد كما فهمه ذلك الجيل فليأخذه من حيث أخذوه: من كلام الله، ومن الصحيح من كلام رسوله ﷺ.
المراجع
- القرآن الكريم، [الشورى: ١٣]
- القرآن الكريم، [التوبة: ١١٣]
- القرآن الكريم، [القصص: ٥٦]
- سبيل الرشاد، هدي محمد ﷺ، السيد أبو المعاطي النوري، محمود محمد خليل، الطبعة الأولى · نسخة المكتبة الشاملة. (سبيل الرشاد: ١/١٢، ح ٧)
- صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ)، دار طوق النجاة · ١٤٢٢هـ · نص مشروع OpenITI. (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٦/١١٢، ح ٤٧٧٢)
- صحيح مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت ٢٦١هـ)، ت. محمد فؤاد عبد الباقي · دار إحياء التراث العربي · النص من hadith-api ومشروع OpenITI. (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٥٤، ح ٢٤)
- تفسير مجاهد، مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٤هـ)، ت. محمد عبد السلام أبو النيل · دار الفكر الإسلامي الحديثة · ١٤١٠هـ · نص مشروع OpenITI. (مجاهد، ت ١٠٤هـ: ١/٥٨٨)
- تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ)، نص مشروع OpenITI (مدونة التفاسير). (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشورى ١٣)