سورة الحج · الآية ٧٨
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى، عباده المؤمنين بالصلاة، وخص منها الركوع والسجود، لفضلهما وركنيتهما، وعبادته التي هي قرة العيون، وسلوة القلب المحزون، وأن ربوبيته وإحسانه على العباد، يقتضي منهم أن يخلصوا له العبادة، ويأمرهم بفعل الخير عموما. وعلق تعالى الفلاح على هذه الأمور فقال: { لعلكم تفلحون } أي: تفوزون بالمطلوب المرغوب، وتنجون من المكروه المرهوب، فلا طريق للفلاح سوى الإخلاص في عبادة الخالق، والسعي في نفع عبيده، فمن وفق لذلك، فله القدح المعلى، من السعادة والنجاح والفلاح. { وجاهدوا في الله حق جهاده } والجهاد بذل الوسع في حصول الغرض المطلوب، فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك. { هو اجتباكم } أي: اختاركم - يا معشر المسلمين - من بين الناس، واختار لكم الدين، ورضيه لكم، واختار لكم أفضل الكتب وأفضل الرسل، فقابلوا هذه المنحة العظيمة، بالقيام بالجهاد فيه حق القيام، ولما كان قوله: { وجاهدوا في الله حق جهاده } ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه. ويؤخذ من هذه الآية، قاعدة شرعية وهي أن " المشقة تجلب التيسير " و " الضرورات تبيح المحظورات " فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية، شيء كثير معروف في كتب الأحكام. { ملة أبيكم إبراهيم } أي: هذه الملة المذكورة، والأوامر المزبورة، ملة أبيكم إبراهيم، التي ما زال عليها، فالزموها واستمسكوا بها. { هو سماكم المسلمين من قبل } أي: في الكتب السابقة، مذكورون ومشهورون، { وفي هذا } أي: هذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
تنفرا، ويسرا ولا تعسرا" (1) . والأحاديث في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني: من ضيق. وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} : قال ابن جرير: نصب على تقدير: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: من ضيق، بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم] (2) . قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا} الآية [الأنعام: 161] . وقوله: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {هو سماكم المسلمين من قبل} قال: الله عز وجل. وكذا قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {هو سماكم المسلمين من قبل} يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] . قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، {وفي هذا} يعني: القرآن. وكذا قال غيره. قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: {هو سماكم المسلمين من قبل} أي: من قبل هذا القرآن {وفي هذا} ، وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام (3) أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الحج: 78] فقال بعضهم: معناه: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن عبد الله بن عباس، في قوله: " {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] كما جاهدتم أول مرة، فقال عمر: من أمر بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريش: مخزوم، وعبد شمس فقال عمر: صدقت " وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في الله لومة لائم. قالوا: وذلك هو حق الجهاد
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٦٣٩) ↗التحرير والتنوير
في رواية المدنيين من أصحابه عنه. وقال ابن عبد البر في «الكافي» : «ومن أهل المدينة قديما وحديثا من يرى السجود في الثانية من الحج قال: وقد رواه ابن وهب عن مالك» . وتحصيل مذهبه أنها إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء» ، فلم ينسبه إلى مالك إلا من رواية ابن وهب، وكذلك ابن رشد في «المقدمات» : فما نسبه ابن العربي إلى المدنيين من أصحاب مالك غريب. وروى الترمذي عن ابن لهيعة عن مشرح (1) عن عقبة بن عامر قال: «قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج لأن فيها سجدتين؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» اه. قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ليس بالقوي اه، أي من أجل أن ابن لهيعة ضعفه يحيى بن معين، وقال مسلم: تركه وكيع، والقطان، وابن مهدي. وقال أحمد: احترقت كتبه فمن روى عنه قديما (أي قبل احتراق كتبه) قبل. [78] وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) وجاهدوا في الله حق جهاده الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدين لأجل إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسره النبيء صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . وأن ما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه حين قفل من غزوة تبوك قال لأصحابه: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ، وفسره لهم بمجاهدة العبد هواه (2) ، فذلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٣٤٧) ↗