سورة النساء · الآية ٥٩
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
الأمانات كل ما اؤتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء، على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها فوجب ذلك. وفي قوله: { إلى أهلها } دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، ووكيله بمنزلته فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها. { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء، والأموال، والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو. والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به، هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكم به. ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة، قال: { إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون. ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله، وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله، ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم، وذكره مع طاعة الرسول فإن الرسول، لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية. ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه، إلى الله وإلى رسوله، أي: إلى كتاب الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وأخرجاه من حديث يحيى القطان (1) . وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان" أخرجاه (2) . وفي الحديث الآخر، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". رواه البخاري (3) . وعن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف. رواه مسلم (4) . وعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: "ولو استعمل عليكم عبد (5) يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا" رواه مسلم (6) وفي لفظ له: "عبدا حبشيا مجدوعا". وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة (7) عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم" (8) . وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون". قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" أخرجاه (9) . وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم , فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصا أميري فقد عصاني» PageEndV07P175 واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] فقال بعضهم: ذلك أمر من الله باتباع سنته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٧٤) ↗التحرير والتنوير
وجملة إن الله نعما يعظكم به واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر، فكانت بمنزلة التعليل، وأغنت (إن) في صدر الجملة عن ذكر فاء التعقيب، كما هو الشأن إذا جاءت (إن) للاهتمام بالخبر دون التأكيد. و (نعما) أصله (نعم ما) ركبت (نعم) مع (ما) بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة، وأدغم الميمان وحركت العين الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين. و (ما) جوز النحاة أن تكون اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو نكرة تامة والجملة التي بعد (ما) تجري على ما يناسب معنى (ما) ، وقيل: إن (ما) زائدة كافة (نعم) عن العمل. والوعظ: التذكير والنصح، وقد يكون فيه زجر وتخويف. وجملة إن الله كان سميعا بصيرا أي عليما بما تفعلون وما تقولون، وهذه بشارة ونذارة. [59] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) لما أمر الله الأمة بالحكم بالعدل عقب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكام ولاة أمورهم لأن الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أن الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال علي: «حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويودي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا» . أمر الله بطاعة الله ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة، فإن الله هو منزل الشريعة ورسوله مبلغها والحاكم بها في حضرته.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٩٦) ↗