سورة الأحزاب · الآية ٥
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعاتب تعالى [عباده] عن التكلم بما ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما لا حقيقة له من الأقوال، ولم يجعله الله تعالى كما قالوا، فإن ذلك القول منكم كذب وزور، يترتب عليه منكرات من الشرع. وهذه قاعدة عامة في التكلم في كل شيء، والإخبار بوقوع ووجود ما لم يجعله الله تعالى. ولكن خص هذه الأشياء المذكورة لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها، فقال: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } هذا لا يوجد، فإياكم أن تقولوا عن أحد: إن له قلبين في جوفه، فتكونوا كاذبين على الخلقة الإلهية. { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن } بأن يقول أحدكم لزوجته: " أنت علي كظهر أمي أو كأمي " فما جعلهن الله { أمهاتكم } أمك من ولدتك، وصارت أعظم النساء عليك حرمة وتحريما، وزوجتك أحل النساء لك، فكيف تشبه أحد المتناقضين بالآخر؟ هذا أمر لا يجوز، كما قال تعالى: الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا [المجادلة: 2]. { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } والأدعياء، الولد الذي كان الرجل يدعيه، وهو ليس له، أو يدعى إليه، بسبب تبنيه إياه، كما كان الأمر بالجاهلية، وأول الإسلام. فأراد الله تعالى أن يبطله ويزيله، فقدم بين يدي ذلك بيان قبحه، وأنه باطل وكذب، وكل باطل وكذب، لا يوجد في شرع الله، ولا يتصف به عباد الله. يقول تعالى: فالله لم يجعل الأدعياء الذين تدعونهم، أو يدعون إليكم، أبناءكم، فإن أبناءكم في الحقيقة، من ولدتموهم، وكانوا منكم، وأما هؤلاء الأدعياء من غيركم، فلا جعل الله هذا كهذا. { ذلكم } القول الذي تقولون في الدعي: إنه ابن فلان الذي ادعاه، أو والده فلان { قولكم بأفواهكم } أي: قول لا حقيقة له ولا معنى له. { والله يقول الحق } أي: اليقين والصدق، فلذلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني -وعن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس -كلاهما عن زهير، وهو ابن معاوية، به. ثم قال: وهذا حديث حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به. (1) وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثل، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك (2) . وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: أنها نزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله أعلم. وقوله: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} : هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر [الله] (3) تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط. قال البخاري، رحمه الله: حدثنا معلى (4) بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر؛ أن زيدا بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} . وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن موسى بن عقبة، به (5) . وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة: يا رسول الله، كنا (6) ندعو سالما ابنا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل علي، وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه تحرمي عليه" الحديث. (7) ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش زوجة (8) زيد بن حارثة، وقال: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب:37] ، وقال في آية التحريم: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/١١) ↗التحرير والتنوير
للمقصود وانتفاء الأمر الثالث المقصود وهو التبني، فاشترك التمهيد والمقصود في انتفاء الحقية، وهو أتم في التسوية بين المقصود والتمهيد. وهذا كله زيادة تحريض على تلقي أمر الله بالقبول والامتثال ونبذ ما خالفه. [5] 5] ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. استئناف بالشروع في المقصود من التشريع لإبطال التبني وتفصيل لما يحق أن يجريه المسلمون في شأنه. وهذا الأمر إيجاب أبطل به ادعاء المتبني متبناه ابنا له. والمراد بالدعاء النسب. والمراد من دعوتهم بآبائهم ترتب آثار ذلك، وهي أنهم أبناء آبائهم لا أبناء من تبناهم. واللام في لآبائهم لام الانتساب، وأصلها لام الاستحقاق. يقال: فلان لفلان، أي: هو ابنه، أي: ينتسب له، ومنه قولهم: فلان لرشدة وفلان لغية، أي: نسبه لها، أي: من نكاح أو من زنا، وقال النابغة: لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب أي: من أبناء صاحبي القبرين. وقال علقمة بن عبد يمدح الملك الحارث: فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب وفي حديث أبي قتادة: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملا أمامة ابنة بنته زينب ولأبي العاص بن ربيعة» فكانت اللام مغنية عن أن يقول وابنة أبي العاص. وضمير هو أقسط عند الله عائد إلى المصدر المفهوم من فعل ادعوهم لآبائهم أي: الدعاء للآباء. وجملة هو أقسط استئناف بياني كأن سائلا قال: لماذا لا ندعوهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٦١) ↗