سورة الشورى · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه { فحكمه إلى الله } يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل. { ذلكم الله ربي } أي: فكما أنه تعالى الرب الخالق الرازق المدبر، فهو تعالى الحاكم بين عباده بشرعه في جميع أمورهم. ومفهوم الآية الكريمة، أن اتفاق الأمة حجة قاطعة، لأن الله تعالى لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما اختلفنا فيه، فما اتفقنا عليه، يكفي اتفاق الأمة عليه، لأنها معصومة عن الخطأ، ولا بد أن يكون اتفاقها موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله. وقوله: { عليه توكلت } أي: اعتمدت بقلبي عليه في جلب المنافع ودفع المضار، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك. { وإليه أنيب } أي: أتوجه بقلبي وبدني إليه، وإلى طاعته وعبادته. وهذان الأصلان، كثيرا ما يذكرهما الله في كتابه، لأنهما يحصل بمجموعهما كمال العبد، ويفوته الكمال بفوتهما أو فوت أحدهما، كقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] وقوله: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123]. { فاطر السموت والأرض } أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته. { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } لتسكنوا إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل. { ومن الأنعام أزواجا } أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: { يذرؤكم فيه } أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، وجعل لكم من الأنعام أزواجا. { ليس كمثله شيء } أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه. { وهو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والإنابة: الرجوع، والمراد بها هنا الكناية عن ترك الاعتماد على الغير لأن الرجوع إلى الشيء يستلزم عدم وجود المطلوب عند غيره، وتقدمت الإنابة عند قوله تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب في سورة هود [75] . وجيء في فعل توكلت بصيغة الماضي وفي فعل أنيب بصيغة المضارع للإشارة إلى أن توكله على الله كان سابقا من قبل أن يظهر له تنكر قومه له، فقد صادف تنكرهم منه عبدا متوكلا على ربه، وإذا كان توكله قد سبق تنكر قومه فاستمراره بعد أن كشروا له عن أنياب العدوان محقق. وأما فعل أنيب فجيء فيه بصيغة المضارع للإشارة إلى تجدد الإنابة وطلب المغفرة. ويعلم تحققها في الماضي بمقارنتها لجملة عليه توكلت لأن المتوكل منيب، ويجوز أن يكون ذلك من الاحتباك. والتقدير: عليه توكلت وأتوكل وإليه أنبت وأنيب. وتقديم المتعلقين في عليه توكلت وإليه أنيب لإفادة الاختصاص، أي لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه. [11] 11] فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) فاطر السماوات والأرض. خبر ثان عن الضمير في قوله تعالى: وهو على كل شيء قدير [الشورى: 9] ، وما بينهما اعتراض كما علمت آنفا أعقب به أنه على كل شيء قدير، فإن خلق السماوات والأرض من أبرز آثار صفة القدرة المنفرد بها. والفاطر: الخالق، وتقدم في أول سورة فاطر [1] . جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه. جملة في موضع الحال من ضمير فاطر لأن مضمونها حال من أحوال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٤٣) ↗