مقالة مبنية على أسئلة المشاركين
الفقه
حكم إرسال اليدين في الصلاة ووضع اليمنى على اليسرى
The ruling on letting the hands hang down in prayer versus placing the right hand on the left
ما حكم ارسال اليدين في الصلاة؟
إن كنت تقصد بالسؤال ترك اليدين مسدلتين إلى الجانبين في القيام بدل وضع اليمنى على اليسرى، فهذا هو موضوع المقالة. وإن كنت تقصد السدل بمعنى إسدال الثوب، أو رفع اليدين عند التكبير والركوع، فسيأتي ذكر ذلك في موضعه بإيجاز.
قال رسول الله ﷺ
روى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي ﷺ (سبيل الرشاد: ١/٣٥٤، ح ٣٣٣) (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ١/١٤٨، ح ٧٤٠). أي أن الأمر بالوضع كان في زمن النبي ﷺ، والصيغة «كان الناس يؤمرون» تدل على أن الآمر هو النبي ﷺ، وقد صرّح أبو حازم برفعه إليه.
وروى وائل بن حجر أنه «رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما، فكبّر فركع» (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٠١، ح ٤٠١). فهذا فعله ﷺ، موافق لما أُمر به الناس.
أقوال التابعين ومن تبعهم بإحسان
نقل ابن قدامة أن وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من سنتها «في قول كثير من أهل العلم»، وذكر ممن يُروى عنه ذلك علي وأبو هريرة والنخعي وأبو مجلز وسعيد بن جبير والثوري (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ١/٣٤١). وأما إرسال اليدين فنقل عن ابن الزبير والحسن (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ١/٣٤١).
أقوال المذاهب
**الحنابلة:** وضع اليمنى على اليسرى سنة عندهم، واستدل ابن قدامة بحديث هلب رضي الله عنه في أخذ النبي ﷺ شماله بيمينه (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ١/٣٤١). وذكر ابن القيم أن وضع اليمنى على اليسرى حال القيام من الأدب مع الله في الوقوف بين يديه (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٢/٣٨٦).
**الشافعية:** وضع اليمنى على اليسرى ثابت عندهم، والخلاف عندهم في موضع الوضع (تحت الصدر). وذكر النووي أن من أهل العلم من قال بالإرسال، منهم ابن سيرين، وأن الليث قال: يرسلهما، فإن طال عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة، وأن الأوزاعي خيّر بين الوضع والإرسال (النووي، ت ٦٧٦هـ: ٣/٢٥٨).
**المالكية:** نقل النووي عن مالك روايتين: رواية ابن عبد الحكم بالوضع، ورواية ابن القاسم بالإرسال وهي الأشهر، وعليها جمهور أصحابه من أهل المغرب (النووي، ت ٦٧٦هـ: ٣/٢٥٨). وفي المقابل نقل ابن عبد البر أن رواية المدنيين عن مالك أنه لا بأس بالوضع في الفريضة والنافلة، وأن ابن القاسم روى عنه أن تركه أحب إليه (ابن عبد البر، ت ٤٦٣هـ: ٢٠/٧٥). وقد احتج لهم بعض أصحابهم بأن حديث المسيء صلاته لم يُذكر فيه الوضع (النووي، ت ٦٧٦هـ: ٣/٢٥٨)، وهذا استدلال بالسكوت لا يقاوم الحديث الصحيح المصرِّح بالأمر.
**الحنفية:** وضع اليدين سنة عندهم. وقد نقل ابن قدامة أن أصحاب الرأي يقولون بالوضع (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ١/٣٤١). ونُقل في موضع الوضع (تحت السرة) عن أبي هريرة، وخالفهم الشافعية فجعلوه تحت الصدر (الماوردي، ت ٤٥٠هـ: ٢/١٠٠). وفي المصادر المتاحة هنا نصّ كتب الحنفية في هذه المسألة غير ظاهر، فلا أنسب إليهم أكثر من نقل ابن قدامة والماوردي عنهم.
ما يوافق النص
الذي يدل عليه النص هو وضع اليمنى على اليسرى، لا الإرسال: فقد ثبت في صحيح البخاري وفي الموطأ الأمر به (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ١/١٤٨، ح ٧٤٠) (مالك، ت ١٧٩هـ: ١/١٥٩، ح ٤٧) (سبيل الرشاد: ١/٣٥٤، ح ٣٣٣)، وثبت من فعله ﷺ في حديث وائل (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٠١، ح ٤٠١). وذكر ابن عبد البر عن مالك أن الإرسال رواية ابن القاسم، وأن المدنيين رووا عنه جواز الوضع (ابن عبد البر، ت ٤٦٣هـ: ٢٠/٧٥)، فاختلف النقل عنه، والحجة في الحديث الصحيح لا في أحد الروايتين. وليس في المصادر المرقّمة نص صحيح يأمر بالإرسال أو يفعله النبي ﷺ.
وأما القياس على حديث «نهى عن السدل في الصلاة» فالسدل المنهي عنه، كما بيّنه ابن الأثير، هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخله فيركع ويسجد وهو كذلك، وقيل: أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله (ابن الأثير، ت ٦٠٦هـ: ٢/٣٥٥). فهو في إسدال الثوب لا في إرسال اليدين، ثم إن الأحاديث التي ورد فيها النهي عن السدل لم ترد في سبيل الرشاد ولا في الصحيحين، فلا أنقل لفظها ولا أبني عليها حكمًا.
الخلاصة
السنة الثابتة في الصحيح أن يضع المصلي يده اليمنى على ذراعه اليسرى في قيامه، لثبوت الأمر به وفعل النبي ﷺ (سبيل الرشاد: ١/٣٥٤، ح ٣٣٣) (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٠١، ح ٤٠١). وأما إرسال اليدين فمنقول عن بعض السلف وعن مالك في إحدى الروايتين (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ١/٣٤١) (النووي، ت ٦٧٦هـ: ٣/٢٥٨) (ابن عبد البر، ت ٤٦٣هـ: ٢٠/٧٥)، لكنه لا يقوم دليلًا في مقابل النص الصحيح، ويبقى كل قول منسوبًا إلى قائله. أما إن كنت تقصد رفع اليدين عند التكبير والركوع، فقد ثبت في حديث وائل رفعهما حين دخل في الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٠١، ح ٤٠١).
المراجع
- سبيل الرشاد، هدي محمد ﷺ، السيد أبو المعاطي النوري، محمود محمد خليل، الطبعة الأولى · نسخة المكتبة الشاملة. (سبيل الرشاد: ١/٣٥٤، ح ٣٣٣)
- صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ)، دار طوق النجاة · ١٤٢٢هـ · نص مشروع OpenITI. (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ١/١٤٨، ح ٧٤٠)
- موطأ الإمام مالك، الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ)، ت. محمد فؤاد عبد الباقي · دار إحياء التراث العربي · ١٤٠٦هـ · نص مشروع OpenITI. (مالك، ت ١٧٩هـ: ١/١٥٩، ح ٤٧)
- صحيح مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت ٢٦١هـ)، ت. محمد فؤاد عبد الباقي · دار إحياء التراث العربي · النص من hadith-api ومشروع OpenITI. (مسلم، ت ٢٦١هـ: ١/٣٠١، ح ٤٠١)
- النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين ابن الأثير (ت ٦٠٦هـ)، تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي · المكتبة العلمية · بيروت ١٣٩٩هـ · نص مشروع OpenITI. (ابن الأثير، ت ٦٠٦هـ: ٢/٣٥٥)
- المغني، موفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠هـ)، مكتبة القاهرة · ١٣٨٨هـ · نص مشروع OpenITI. (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ١/٣٤١)
- الحاوي الكبير، أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت · تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود · ١٤١٩هـ/١٩٩٩م · نص مشروع OpenITI. (الماوردي، ت ٤٥٠هـ: ٢/١٠٠)
- المجموع شرح المهذب، محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦هـ)، دار الفكر · بيروت ١٩٩٧م · نص مشروع OpenITI. (النووي، ت ٦٧٦هـ: ٣/٢٥٨)
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ)، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب · تحقيق مصطفى العلوي ومحمد البكري · ١٣٨٧هـ · نص مشروع OpenITI. (ابن عبد البر، ت ٤٦٣هـ: ٢٠/٧٥)
- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)، ت. محمد حامد الفقي · دار الكتاب العربي · بيروت · ١٣٩٣هـ · نص مشروع OpenITI. (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٢/٣٨٦)