مقالة مبنية على أسئلة المشاركين
الفقه
حكم السفر إلى المدينة بنية زيارة قبر النبي ﷺ
The Ruling on Travelling to Madinah with the Intention of Visiting the Prophet's ﷺ Grave
ما حكم السفر إلى المدينة بنية زيارة قبر النبي ﷺ؟
السؤال يحتمل صورتين: السفر إلى المدينة لقصد المسجد النبوي والصلاة فيه، ثم زيارة القبر تبعًا؛ أو السفر لقصد القبر وحده. وبيان كل صورة فيما يلي بنصوصه.
ولا يُبنى الجواب على حكم القبور في الجملة، بل على ما صحّ في شدّ الرحال، فهو موضع الاستدلال.
قال رسول الله ﷺ
قال النبي ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وهو حديث صحيح مخرّج في صحيح البخاري وسنن أبي داود وسبيل الرشاد، ولم ترد نصوصه في المصادر المرقّمة هنا، فلا يُثبَّت رقم الجزء والصفحة والحديث إلا بعد مطابقته مع مواضعه في تلك الكتب قبل النشر.
وقال ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (سبيل الرشاد: ١/١٩٩، ح ١٨٦). فللمسجد النبوي فضل خاص بالصلاة فيه، وهذا مما يُشدّ إليه الرحل بنص الحديث الأول.
وقال ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (سبيل الرشاد: ٢/١٠٠٣، ح ٢٢٣٤) (سبيل الرشاد: ٢/١٠٠٤، ح ٢٢٣٥).
أقوال الصحابة والتابعين
ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي، ومسجد الأقصى» (ابن أبي شيبة، ت ٢٣٥هـ: ٣/٤١٩، رقم ١٥٥٤٨)، وهو موافق للمرفوع.
أقوال العلماء
الإمام أحمد يروي الحديث في مسائله ويقول فيه: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد المدينة» (أحمد، ت ٢٤١هـ: ٣/٦٣).
وقال البهوتي (الحنابلة): زيارة قبر المسلم مسنونة للذكور «بلا سفر»، محتجًّا بحديث «لا تشد الرحال» (البهوتي، ت ١٠٥١هـ: ٢/١٥٠).
وذهب ابن قدامة في «المغني» إلى خلاف ذلك: ذكر عن ابن عقيل أنه لا يباح الترخص في السفر لزيارة القبور لأنه منهي عن السفر إليها، ثم قال: «والصحيح إباحته، وجواز القصر فيه»، مستدلًّا بأن النبي ﷺ كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا ويزور القبور (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ٢/١٩٥). وهذا من جهة جواز السفر في الجملة.
وقال الخطابي في «غريب الحديث» إن معنى الحديث أن الشخوص إلى غير هذه المساجد لا يلزم أحدًا، وهو في النذر (الخطابي، ت ٣٨٨هـ: ١/١٣٣). وقال البغوي في «شرح السنة» إن من نذر إتيان مسجد المدينة لزمه على أصح القولين، فإذا أتاه صلّى فيه أو زار قبر النبي ﷺ (البغوي، ت ٥١٦هـ: ١٠/٢٩) — والبغوي ينقل هذا في النذر، ولا يُقصد به تقرير حكم سفر الزيارة وحده.
ونقل ابن حزم: «ولا يحل السفر إلى مسجد، حاشا مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس» (ابن حزم، ت ٤٥٦هـ: ٢/٣٦٤).
وفي «الدرر السنية»، وهو من كتب المتأخرين من علماء نجد، ما يُفهم منه أن شدّ الرحل لزيارة القبر محل نظر عندهم. وهذا قول متأخر يُنقل منسوبًا إلى كتابه فحسب، ولا يُبنى عليه حكم على مسلم، ولا يؤخذ من هذا الكتاب إلا ما وافق القرآن والسنة الصحيحة أو نقل اختلاف العلماء؛ والمعتمد فيه ما دلّ عليه نص الحديث الصحيح. (علماء نجد، ت ١٣٩٢هـ: ١/٧٦) (علماء نجد، ت ١٣٩٢هـ: ١٥/٥٢)
تنبيه
ما ورد في زيارة قبر المصطفى ﷺ بخصوصه ليس في المصادر المرقّمة هنا حديث صحيح ثابت يأمر بالسفر إليه وحده، والمصادر التي بين أيدينا لم تحسم من جهة النص الصريح مسألة السفر لقصد القبر خاصة. وقد ذكر ابن حجر في «فتح الباري» أن العلماء اختلفوا في مسألة شدّ الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ، وأن أحكامًا نُسبت فيها أنكرها غيرهم (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٣/٦٦)؛ فتُنقل أقوال المتأخرين منسوبة إلى أصحابها ولا يُجعل منها دليل.
وأما الآية التي وردت في المصادر عن جهنم [ق: ٣٠] فلا علاقة لها بالمسألة، فلا يُستشهد بها.
الخلاصة
إن كنت تقصد السفر إلى المدينة لتصلي في المسجد النبوي، فهو مما نصّ عليه الحديث الصحيح: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد... ومسجدي هذا» (سبيل الرشاد: ١/٢٠١، ح ١٨٨)، وفضل الصلاة فيه ثابت (سبيل الرشاد: ١/١٩٩، ح ١٨٦)، وزيارة القبر تقع تبعًا لدخول المسجد، كما ذكر البغوي في الناذر (البغوي، ت ٥١٦هـ: ١٠/٢٩).
وإن كنت تقصد السفر لأجل القبر وحده، فنصّ الحديث خصّ ثلاثة مساجد (سبيل الرشاد: ١/٢٠١، ح ١٨٨)، ومن العلماء من فهم منه منع شدّ الرحال إلى غيرها، كما نقل ابن حزم (ابن حزم، ت ٤٥٦هـ: ٢/٣٦٤) وابن عقيل (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ٢/١٩٥)، ومنهم من أجاز السفر لزيارة القبور بعمومات، كما اختار ابن قدامة (ابن قدامة، ت ٦٢٠هـ: ٢/١٩٥). والنصوص الصحيحة المرقّمة هنا لا تُثبت دليلًا صريحًا في السفر للقبر وحده، فلا يجوز الجزم بما لم يرد فيه نص.
المراجع
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)، دار المعرفة · بيروت ١٣٧٩هـ · بإشراف محب الدين الخطيب · نص مشروع OpenITI. (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٣/٦٦)
- الدرر السنية في الأجوبة النجدية، علماء نجد الأعلام، جمع عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٢هـ)، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم · نص مشروع OpenITI. (علماء نجد، ت ١٣٩٢هـ: ١/٧٦)
- الدرر السنية في الأجوبة النجدية، علماء نجد الأعلام، جمع عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٢هـ)، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم · نص مشروع OpenITI. (علماء نجد، ت ١٣٩٢هـ: ١٥/٥٢)