مقالة مبنية على أسئلة المشاركين
الحديث
درجة حديث «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»
The Authenticity of the Hadith «Hold Fast to My Sunnah and the Sunnah of the Rightly-Guided Caliphs After Me»
صحة حديث اتبعوا سنة من بعدي الخافاء
نص الحديث
الحديث رواه الصحابي العرباض بن سارية، رضي الله عنه، وفي لفظ أحمد: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١).
ولفظ السائل «اتبعوا سنتي...» بهذه الصيغة ليس هو لفظ الروايات الواردة في المصادر؛ فالذي فيها: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١) (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤).
إسناده ومن أخرجه
أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان من طريق الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية... فذكراه (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١).
وأخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه والترمذي من طريق خالد بن معدان وضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض يقول... (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٢). وفي رواية عن حجر بن حجر، عن العرباض، بلفظ: «فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣).
وأخرجه أحمد أيضا من طريق خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن العرباض (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣).
وأخرجه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زبر، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية يقول... (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤).
حكم الأئمة عليه
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣). وأورده ابن حبان في صحيحه برقم (5) (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١)، وهذا تصحيح من الترمذي وابن حبان.
وفي طريق يحيى بن أبي المطاع نقل «المسند المصنف المعلل» عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال لدحيم تعجبا من قرب يحيى بن أبي المطاع وما يحدث عنه عبد الله بن العلاء بن زبر، من أنه سمع من العرباض، فقال دحيم: «أنا من أنكر الناس لهذا». وقال أبو زرعة: «والعرباض قديم الموت» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤). ففي سماع يحيى بن أبي المطاع من العرباض كلام للأئمة.
سبب الضعف: لماذا لا نستشهد به
الحديث ليس في الصحيحين ولا في «سبيل الرشاد»، وكل طرقه ترجع إلى العرباض بن سارية من أربع جهات: عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، وعبد الله بن أبي بلال، ويحيى بن أبي المطاع (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١) (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣) (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤). والثلاثة الأولون قال فيهم ابن القطان والشيخ محمود خليل: إنهم مجاهيل لا تقوم بهم حجة، والرابع لم يسمع من العرباض فطريقه منقطع عند من أنكر سماعه من الأئمة. وهذا تفصيله.
معنى ألفاظ الأئمة في الرواة. قال ابن حجر في مراتب الرواة: السادسة «من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث»، والتاسعة «من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٧٤). فـ«المقبول» عنده لا يُقبل حديثه إذا انفرد، بل يكون «لين الحديث» حتى يتابعه غيره.
الطريق الأول: عبد الرحمن بن عمرو السلمي. عليه مدار الحديث: رواه عنه خالد بن معدان وضمرة بن حبيب، ومن طريقهما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١) (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٢). قال فيه ابن حجر: «مقبول من الثالثة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٣٤٧). وذكر في «تهذيب التهذيب» أن ابن حبان ذكره في «الثقات»، وأن «له في الكتب حديث واحد في الموعظة صححه الترمذي»، وصححه ابن حبان والحاكم، ثم قال: «وزعم القطان الفاسي أنه لا يصح لجهالة حاله» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٦/٢١٥). وقال الشيخ محمود خليل فيه: «لا تقوم به حجة» (رجال الحديث: ٢/١٩١٦). فالحديث الذي صححه الترمذي وابن حبان هو حديث هذا الراوي نفسه، وليس له في الكتب غيره، ولم يُذكر فيه في «تهذيب التهذيب» توثيق صريح سوى ذكر ابن حبان له في «الثقات» (ابن حبان، ت ٣٥٤هـ: ٥/١١١).
الطريق الثاني: حجر بن حجر الكلاعي. جاء مقرونًا بعبد الرحمن في رواية الوليد بن مسلم (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١). قال الذهبي: «ما حدث عنه سوى خالد بن معدان بحديث العرباض مقرونا بآخر» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٢/٢٠٧). ونقل ابن حجر أن الحاكم قال: «كان من الثقات»، وأن ابن حبان ذكره في «الثقات»، وقال ابن القطان: «لا يعرف» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٢/١٨٨)، وقال في «التقريب»: «مقبول» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/١٥٤). وقال الشيخ محمود خليل: «مجهول» (رجال الحديث: ١/١٢٢١). فهو راوٍ لم يروِ عنه إلا واحد، ولا يُعرف له إلا هذا الحديث.
الطريق الثالث: عبد الله بن أبي بلال. أخرجه أحمد من طريق خالد بن معدان عن ابن أبي بلال عن العرباض (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣). قال الذهبي: «عن العرباض ما روى عنه سوى خالد بن معدان» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٤/٧٠)، وليس فيه إلا ذكر ابن حبان له في «الثقات» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٥/١٤٤)، وقال ابن حجر: «مقبول» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٢٩٧)، وقال الشيخ محمود خليل: «مجهول» (رجال الحديث: ٢/١١٤٣).
الطريق الرابع: يحيى بن أبي المطاع (انقطاع). أخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر عن يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤). ويحيى وثقه دحيم، لكن دحيمًا أنكر سماعه من العرباض، فقال: «أنا من أنكر الناس لهذا»، وقال أبو زرعة الدمشقي: «والعرباض قديم الموت» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤). وقال الذهبي: «استبعد دحيم لقيه للعرباض فلعله أرسل عنه» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٧/٢٢١)، وقال ابن حجر: «وأشار دحيم إلى أن روايته عن العرباض مرسلة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٩٧). فبين يحيى والعرباض راوٍ ساقط لا يُعرف، وذكر «سمعت» في الإسناد لا يدفع ذلك عند هؤلاء الأئمة، لأن العرباض «قديم الموت» ويحيى متأخر عنه.
الوليد بن مسلم وتدليس التسوية. قال ابن حجر في الوليد بن مسلم: «ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٥٨٤)، وتدليس التسوية أن يُسقط ضعيفًا بين ثقتين (محمود خليل، معاصر: ١/٤٦)؛ وقد عدّه الشيخ محمود خليل من علل هذا الحديث كما سبق. وفي روايته عند أحمد وأبي داود ذُكر السماع في كل طبقة: «حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ثور بن يزيد، قال: حدثنا خالد بن معدان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١١). والحديث مروي أيضًا من غير طريق الوليد: رواه أبو عاصم والضحاك بن مخلد عن ثور بن يزيد، ورواه معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٢). وخالد بن معدان ثقة، قال العجلي: «شامي تابعي ثقة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ٣/١٠٢). فهذه الطرق كلها تلتقي عند عبد الرحمن بن عمرو السلمي، فتبقى علته قائمة في كل طريق، مع ما في طريق الوليد من تدليسه.
من صرّح بأنه لا يصح. قال ابن القطان الفاسي في رواية أبي داود: «وحجر بن حجر هذا لا يعرف، ولا أعلم أحدا ذكره»، وذكر أن البخاري وابن أبي حاتم ترجما لعبد الرحمن بن عمرو السلمي ولم يقولا فيه شيئًا (ابن القطان، ت ٦٢٨هـ: ٤/٨٨)، ثم قال: «فالرجل مجهول الحال، والحديث من أجله لا يصح»، وقال في طريق يحيى بن أبي المطاع: «وهو أيضا لا يصح» (ابن القطان، ت ٦٢٨هـ: ٤/٨٩). وحكم الشيخ محمود خليل عليه بأنه «لا يصح»، وذكر من علله جهالة عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر وعبد الله بن أبي بلال، وأن يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، وأن الوليد بن مسلم «يدلّس تدليس التسوية»، وقال: «فضعف مع ضعف لا يصير صحة» (محمود خليل، معاصر: ١/٤٧).
النتيجة. لا يصح للحديث إسناد واحد بنفسه: ثلاثة طرق رواتها «مقبولون» أو «مجهولون» لا يُحتج بهم إذا انفردوا، وطريق رابع منقطع. فغاية ما يبلغه إذا قوّي بعضها ببعض أن يكون من جنس ما يسميه المتأخرون «الحسن لغيره»، وهو الذي قال فيه ابن القطان إنه «يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام» إلا بشروط، ومال إليه ابن حجر (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٤٠٢). وأما هذا الحديث بعينه فقد حكم ابن القطان والشيخ محمود خليل بأنه لا يصح، وقال الشيخ: «فضعف مع ضعف لا يصير صحة» (محمود خليل، معاصر: ١/٤٧). وهذا كله قبل شرط هذا الموقع، الذي لا يستشهد إلا بما في الصحيحين و«سبيل الرشاد»؛ ولذلك لا نبني على هذا الحديث حكمًا، وننقل حكم الأئمة فيه كما ورد.
معنى المصطلحات
**السند (الإسناد):** سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدا عن واحد إلى النبي ﷺ.
**الحديث الحسن الصحيح:** عبارة الترمذي في حكمه على هذا الحديث (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣)، وهي تدل على قبوله عنده، غير أن العبرة عندنا بما في الصحيحين و«سبيل الرشاد» في الاستشهاد.
**السماع:** أن يكون الراوي قد سمع الحديث من شيخه مباشرة؛ فإذا أنكر الأئمة سماعه منه كان في السند انقطاع محتمل، كما في طريق يحيى بن أبي المطاع (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤).
الحديث الحسن و«الحسن الصحيح»: هل تُبنى عليهما الأحكام؟
تعريف الحسن. نقل ابن الصلاح عن الخطابي أن «الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله»، وأنه «الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء»، ونقل عن الترمذي أنه يريد بالحسن «أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون حديثا شاذا ويروى من غير وجه نحو ذلك» (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٢٩). وعبارة الترمذي نفسه في آخر كتابه كما نقلها ابن حجر: «فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٦٧). ثم قال ابن الصلاح إن ذلك كله «مستبهم لا يشفي الغليل»، وقسّم الحسن قسمين: حديث في إسناده راوٍ مستور لم تتحقق أهليته، غير متهم بالكذب ولا كثير الخطأ، وقد رُوي متنه أو نحوه من وجه آخر فاعتضد به، وعلى هذا ينزل كلام الترمذي؛ وحديث راويه مشهور بالصدق والأمانة لكنه قصر عن رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، وعلى هذا ينزل كلام الخطابي (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٢٩) (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٣٢). ويسمي المتأخرون الأول «الحسن لغيره» والثاني «الحسن لذاته» (السخاوي، ت ٩٠٢هـ: ١/٧٢).
قول الجمهور: يُحتج به. قال النووي: «ثم الحسن وإن كان دون الصحيح فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به» (النووي، ت ٦٧٦هـ: ١/٢٩). وقال ابن حجر في الحسن لذاته: «وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٦٦). وذكر ابن الصلاح أن «من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح لاندراجه في أنواع ما يحتج به»، كالحاكم، وأن ذلك «اختلاف في العبارة دون المعنى» (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٤٠). ومن هؤلاء ابن حبان، قال ابن حجر: «وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا»، وقال إن هذه طريقة ابن حبان (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١١/١٦٣)؛ فتصحيح ابن حبان لحديث لا يعني بالضرورة أنه صحيح بالمعنى الذي يفرّق بينه وبين الحسن.
من خالف أو توقف. ذكر السخاوي أن ممن خالف في الاحتجاج بالحسن «من أئمة الحديث أبو حاتم الرازي»: سُئل عن حديث فحسّنه، فقيل له: أتحتج به؟ فلم يزد على قوله: إنه حسن؛ وسُئل عن راوٍ فقال: «هو حسن الحديث»، ثم قال: «الحجة سفيان وشعبة»، قال السخاوي: «وهذا يقتضي عدم الاحتجاج به والمعتمد الأول» (السخاوي، ت ٩٠٢هـ: ١/٧٠). ونقل ابن حجر أن ابن الصلاح وغيره «نقلوا الاتفاق على أن الحديث الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح وإن كان دونه في المرتبة» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٤٠١)، ثم بيّن أن هذا الاتفاق إنما يصح في الحسن لذاته، أما ما يسميه الترمذي حسنًا من حديث الضعيف والمنقطع إذا اعتضد فلا يصح إطلاق الاحتجاج به كله، ونقل عن ابن القطان أن هذا القسم «لا يحتج به كله بل يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن»، وقال: «وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفا يأباه» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٤٠٢)، ثم قال: «هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا هذا الذي يتوقف فيه والقلب إلى ما حرره ابن القطان أميل» (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٤٠٣). ونقل السخاوي عن ابن دقيق العيد أن الحديث المسمى حسنًا إن وُجدت فيه أدنى الصفات التي يجب معها القبول فهو صحيح، «وإن لم توجد فلا يجوز الاحتجاج به وإن سمي حسنا» (السخاوي، ت ٩٠٢هـ: ١/٧١). وخلص السخاوي إلى أنه لما اختلف صنيع الأئمة في إطلاق الحسن «فلا يسوغ إطلاق القول بالاحتجاج به بل لابد من النظر في ذلك»: فما كان حسنًا لذاته فهو حجة، وما كان حسنًا لغيره احتُج به إن كثرت طرقه وإلا فلا (السخاوي، ت ٩٠٢هـ: ١/٧٢).
معنى «حسن صحيح» عند الترمذي. قال ابن الصلاح: «في قول الترمذي وغيره هذا حديث حسن صحيح إشكال لأن الحسن قاصر عن الصحيح»، وأجاب بأنه راجع إلى الإسناد: إذا رُوي الحديث بإسنادين قيل فيه «إنه حسن بالنسبة إلى إسناد صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر»، أو أنه أراد بالحسن معناه اللغوي (ابن الصلاح، ت ٦٤٣هـ: ١/٣٨). وفصّل ابن حجر: إن كان للحديث إسناد واحد فالجمع بين الوصفين «للتردد الحاصل من المجتهد في الناقل»، فيكون دون ما قيل فيه «صحيح» لأن الجزم أقوى من التردد؛ وإن كان له أكثر من إسناد فالوصفان باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، فيكون فوق ما قيل فيه «صحيح» فقط (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٦٦) (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٦٧). وقال ابن رجب إن الحديث عند الترمذي إذا كان مع شروط الحسن «من رواية الثقات العدول الحفاظ، فالحديث حينئذ "حسن صحيح"» (ابن رجب، ت ٧٩٥هـ: ٢/٦٠٦)، وردّ قول من جعل «الحسن الصحيح» دون الصحيح، لأن الترمذي «يجمع بين الحسن والصحة في غالب الأحاديث الصحيحة، المتفق على صحتها»، «ولا يكاد الترمذي يفرد الصحة إلا نادرا» (ابن رجب، ت ٧٩٥هـ: ٢/٦١٠).
ما يعنيه ذلك لهذا الحديث. قول الترمذي في هذا الحديث «حسن صحيح» (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٣) حكمٌ منه بقبوله، وهو من اجتهاده؛ وقد رُوي الحديث من أكثر من طريق كما سبق. لكن الأئمة لم يتلقوا أحكام الترمذي كلها بالتسليم، فقد قال الذهبي في راوٍ آخر: «قد يترخص الترمذي ويصحح لابن أرطاة، وليس بجيد» (الذهبي، ت ٧٤٨هـ: ٧/٦٨، رقم ٢٧). والذي عليه أكثر العلماء أن الحسن لذاته يُحتج به في الأحكام، وتوقف بعضهم في الحسن لغيره إلا بشروط؛ أما على شرط هذا الموقع فلا يُستشهد بالحديث الحسن ولو قبله الجمهور، ويُكتفى بنقل أقوال الأئمة فيه وبيان ما فيه من كلام.
الخلاصة
الحديث رواه العرباض بن سارية، وقال فيه الترمذي «حسن صحيح» وصححه ابن حبان، وهو ليس في الصحيحين ولا في «سبيل الرشاد». ومداره على عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وهو «مقبول» لا يُحتج به إذا انفرد (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٣٤٧)، ومن تابعه (حجر بن حجر، وعبد الله بن أبي بلال) لم يروِ عن كل منهما إلا خالد بن معدان، وطريق يحيى بن أبي المطاع منقطع لأنه لم يسمع من العرباض (المسند المصنف المعلل، ١٤٣٤هـ: ٢٠/٣١٤). وحكم عليه ابن القطان الفاسي والشيخ محمود خليل بأنه لا يصح (ابن القطان، ت ٦٢٨هـ: ٤/٨٩) (محمود خليل، معاصر: ١/٤٧). ومن يقوّيه بمجموع طرقه يجعله من جنس الحسن لغيره، وقد توقف بعض الأئمة في العمل بهذا النوع في الأحكام (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/٤٠٢)؛ ولذلك لا يُبنى عليه استدلال على شرط الموقع، ويُكتفى بنقل حكم الأئمة عليه كما ورد.