البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التغابن · الآية ٩

﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يعني: اذكروا يوم الجمع الذي يجمع الله به الأولين والآخرين، ويقفهم موقفا هائلا عظيما، وينبئهم بما عملوا، فحينئذ يظهر الفرق والتفاوت بين الخلائق، ويرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم، والحزن، والعذاب الشديد، وذلك نتيجة ما قدموه لأنفسهم، وأسلفوه أيام حياتهم، ولهذا قال: { ذلك يوم التغابن }. أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق، ويغبن المؤمنون الفاسقين، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء، وأنهم هم الخاسرون، فكأنه قيل: بأي شيء يحصل الفلاح والشقاء والنعيم والعذاب؟ فذكر تعالى أسباب ذلك بقوله: { ومن يؤمن بالله } [أي:] إيمانا تاما شاملا لجميع ما أمر الله بالإيمان به، { ويعمل صالحا } من الفرائض والنوافل، من أداء حقوق الله وحقوق عباده. { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وتختاره الأرواح، وتحن إليه القلوب، ويكون نهاية كل مرغوب، { خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم } { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ } أي: كفروا [بها] من غير مستند شرعي ولا عقلي، بل جاءتهم الأدلة والبينات، فكذبوا بها، وعاندوا ما دلت عليه. { أولئك أصحب النار خلدين فيها وبئس المصير } لأنها جمعت كل بؤس وشدة، وشقاء وعذاب.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التغابن ٩–١٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

والثالثة هي هذه [ {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} ] (1) ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} يعني: القرآن، {والله بما تعملون خبير} أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} [هود: 103] وقال تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} [الواقعة: 49، 50] وقوله: {ذلك يوم التغابن} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة. وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار. وكذا قال قتادة ومجاهد. وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} وقد تقدم تفسير مثل هذه (2) غير مرة. يقول تعالى مخبرا بما أخبر به في سورة الحديد: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] وهكذا قال هاهنا: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} قال ابن عباس: بأمر الله، يعني: عن قدره (3) ومشيئته. {ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١٣٧) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٩) ↗

التحرير والتنوير

تقدم هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير [التغابن: 2] فإن لكفر الكافرين وإيمان المؤمنين آثارا ظاهرة محسوسة فعلقت بالوصف الدال على تعلق العلم الإلهي بالمحسوسات. 9] يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) يوم يجمعكم ليوم الجمع. متعلق بفعل لتنبؤن بما عملتم [التغابن: 7] الذي هو كناية عن «تجازون» على تكذيبكم بالبعث فيكون من تمام ما أمر النبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ابتداء من قوله تعالى: قل بلى وربي لتبعثن [التغابن: 7] . والضمير المستتر في يجمعكم عائد إلى اسم الجلالة في قوله: والله بما تعملون خبير [التغابن: 8] . ومعنى يجمعكم يجمع المخاطبين والأمم من الناس كلهم، قال تعالى: هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين [المرسلات: 38] . ويجوز أن يراد الجمع الذي في قوله تعالى: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه [القيامة: 3] ، وهذا زيادة تحقيق للبعث الذي أنكروه. واللام في ليوم الجمع يجوز أن يكون للتعليل، أي يجمعكم لأجل اليوم المعروف بالجمع المخصوص. وهو الذي لأجل جمع الناس، أي يبعثكم لأجل أن يجمع الناس كلهم للحساب، فمعنى الجمع هذا غير معنى الذي في يجمعكم. فليس هذا من تعليل الشيء بنفسه بل هو من قبيل التجنيس. ويجوز أن يكون اللام بمعنى (في) على نحو ما قيل في قوله تعالى: لا يجليها لوقتها إلا هو [الأعراف: 187] ، وقوله: يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر: 24] وقول العرب: مضى لسبيله، أي في طريقه وهو طريق الموت. والأحسن عندي أن يكون اللام للتوقيت، وهي التي بمعنى (عند) كالتي في قولهم: كتب لكذا مضين مثلا، وقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس [الإسراء: 78] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٧٤) ↗