سورة غافر · الآية ٥٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر ما جرى لموسى وفرعون، وما آل إليه أمر فرعون وجنوده، ثم ذكر الحكم العام الشامل له ولأهل النار، ذكر أنه أعطى موسى { الهدى } أي: الآيات، والعلم الذي يهتدي به المهتدون. { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } أي: جعلناه متوارثا بينهم، من قرن إلى آخر، وهو التوراة، وذلك الكتاب مشتمل على الهدى الذي هو العلم بالأحكام الشرعية وغيرها، وعلى التذكر للخير بالترغيب فيه، وعن الشر بالترهيب عنه، وليس ذلك لكل أحد، وإنما هو { لأولي الألباب }. { فاصبر } يا أيها الرسول كما صبر من قبلك من أولي العزم المرسلين. { إن وعد الله حق } أي: ليس مشكوكا فيه، أو فيه ريب أو كذب، حتى يعسر عليك الصبر، وإنما هو الحق المحض، والهدى الصرف، الذي يصبر عليه الصابرون، ويجتهد في التمسك به أهل البصائر. فقوله: { إن وعد الله حق } من الأسباب التي تحث على الصبر على طاعة الله وعن ما يكره الله. { واستغفر لذنبك } المانع لك من تحصيل فوزك وسعادتك، فأمره بالصبر الذي فيه يحصل المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحذور، وبالتسبيح بحمد الله تعالى خصوصا { بالعشي والإبكار } اللذين هما أفضل الأوقات، وفيهما من الأوراد والوظائف الواجبة والمستحبة ما فيهما، لأن في ذلك عونا على جميع الأمور.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٥٣–٥٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الغداة -فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] ، فأنصت له علي حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليا وهو في صلاة الفجر، فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فأجابه علي وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} (1) . طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي تحيا قال: صلى علي (2) رضي الله عنه، صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فأجابه علي (3) ، وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . [ما روي في فضل هذه السورة الشريفة، واستحباب قراءتها في الفجر] (4) : قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب -أبا روح -يحدث عن رجل (5) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيها الروم فأوهم، فقال: "إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء" (6) . وهذا إسناد حسن ومتن حسن (7) وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه، عليه السلام (8) تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك أن صلاة المأموم متعلقة (9) بصلاة الإمام. [آخر تفسير سورة "الروم"] (10) . _
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٢٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يستخفنك الذين لا يوقنون} [الروم: 60] يقول: ولا يستخفن حلمك ورأيك هؤلاء المشركون بالله، الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدقون بالبعث بعد الممات، فيثبطوك عن أمر الله، والنفوذ لما كلفك من تبليغهم رسالته. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن علي بن ربيعة، أن رجلا من الخوارج قرأ خلف علي رضي الله عنه: " {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65]، فقال علي: {فاصبر إن وعد الله، حق ولا يستخفنك الذين لا يؤمنون} "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٢٩) ↗التحرير والتنوير
بالحرام فأنى يستجاب له» . ولهذا لم يقل الله: فلما استجاب دعاءهم، وإنما قال: فلما نجاهم، أي لأنه قدر نجاتهم من قبل أن يدعوا أو لأن دعاءهم صادف دعاء بعض المؤمنين. [51- 52] 52] إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) كلام مستأنف وهو استخلاص للعبرة من القصص الماضية مسوق لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ووعده بحسن العاقبة، وتسلية المؤمنين ووعدهم بالنصر وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. وذلك أن الكلام من ابتداء السورة كان بذكر مجادلة المشركين في القرآن بقوله تعالى: ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا [غافر: 4] وأومأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن شيعهم آئلة إلى خسار بقوله: فلا يغررك تقلبهم في البلاد [غافر: 4] ، وامتد الكلام في الرد على المجادلين وتمثيل حالهم بحال أمثالهم من الأمم التي آل أمرها إلى خيبة واضمحلال في الدنيا وإلى عذاب دائم في الآخرة ولما استوفى الغرض مقتضاه من إطناب البيان بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عقبه أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الدنيا كما دل عليه قوله في آخر الكلام فاصبر إن وعد الله حق [غافر: 77] . وقد علم من فعل النصر أن هنالك فريقا منصورا عليهم الرسل والمؤمنون في الدنيا والآخرة، ومن المتعين أنهم الفريق المعاند للرسل وللمؤمنين، فنصر الرسل والمؤمنين عليهم في الدنيا بإظهارهم عليهم وإبادتهم، وفي الآخرة بنعيم الجنة لهم وعذاب النار لأعدائهم. والتعبير بالمضارع في قوله: لننصر لما فيه من استحضار حالات النصر العجيبة التي وصف بعضها في هذه السورة ووصف بعض آخر في سور أخرى تقدم نزولها، وإلا فإن نصر الرسل الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم قد مضى ونصر محمد صلى الله عليه وسلم مترقب غير حاصل حين نزول الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٦٧) ↗