سورة غافر · الآية ٥٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن من جادل في آياته ليبطلها بالباطل، بغير بينة من أمره ولا حجة، إن هذا صادر من كبر في صدورهم على الحق وعلى من جاء به، يريدون الاستعلاء عليه بما معهم من الباطل، فهذا قصدهم ومرادهم. ولكن هذا لا يتم لهم، وليسوا ببالغيه، فهذا نص صريح، وبشارة، بأن كل من جادل الحق أنه مغلوب، وكل من تكبر عليه فهو في نهايته ذليل. { فاستعذ } أي: اعتصم والجأ { بالله } ولم يذكر ما يستعيذ، إرادة للعموم. أي: استعذ بالله من الكبر الذي يوجب التكبر على الحق، واستعذ بالله من شياطين الإنس والجن، واستعذ بالله من جميع الشرور. { إنه هو السميع } لجميع الأصوات على اختلافها، { البصير } بجميع المرئيات، بأي محل وموضع وزمان كانت.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٥٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قد أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} سؤالا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا (1) وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم (2) ، وإما إلى السماء كعيسى (3) ، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين (4) . أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة. الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا (5) وشعياء، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح، عليه السلام، من اليهود، فسلط الله عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله عليهم. ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام. وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب" (6) وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" (7) ؛ ولهذا أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل (8) مدين، وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدا وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدا (9) . قال السدي: لم يبعث الله رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حجة جاءتهم من عند الله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٤٨) ↗التحرير والتنوير
وعدي فعل جاءكم إلى ضمير المخاطبين. وأسند فما زلتم وقلتم إلى ضميرهم أيضا، وهم ما كانوا موجودين حينئذ قصدا لحمل تبعة أسلافهم عليهم وتسجيلا عليهم بأن التكذيب للناصحين واضطراب عقولهم في الانتفاع بدلائل الصدق قد ورثوه عن أسلافهم في جبلتهم وتقرر في نفوسهم فانتقاله إليهم جيلا بعد جيل كما تقدم في خطاب بني إسرائيل في سورة البقرة [49] : وإذ نجيناكم من آل فرعون ونحوه. كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار جرى أكثر المفسرين على أن هذه الجمل حكاية لبقية كلام المؤمن وبعضهم جعل بعضها من حكاية كلام المؤمن وبعضها كلاما من الله تعالى، وذلك من تجويز أن يكون قوله: الذين يجادلون إلخ بدلا أو مبتدأ، وسكت بعضهم عن ذلك مقتصرا على بيان المعنى دون تصد لبيان اتصالها بما قبلها. والذي يظهر أن قوله: كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب إلى قوله: جبار. كله من كلام الله تعالى معترض بين كلام المؤمن وكلام فرعون فإن هذا من المعاني الإسلامية قصد منه العبرة بحال المكذبين بموسى تعريضا بمشركي قريش، أي كضلال قوم فرعون يضل الله من هو مسرف مرتاب أمثالكم، فكذلك يكون جزاؤكم، ويؤيد هذا الوجه قوله في آخرها: وعند الذين آمنوا فإن مؤمن آل فرعون لم يكن معه مؤمن بموسى وهارون غيره، وهذا من باب تذكر الشيء بضده، ومما يزيد يقينا بهذا أن وصف الذين يجادلون في آيات الله تكرر أربع مرات من أول هذه السورة، ثم كان هنا وسطا في قوله: إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه [غافر: 56] ، ثم كان خاتمة في قوله: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون [غافر: 69] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٤١) ↗