سورة النساء · الآية ٧٨
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ۗ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء، لعدة فوائد: منها: أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل. ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عددهم وعددهم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحكم. وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا [النساء: 66] فلما هاجروا إلى المدينة، وقوي الإسلام، كتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك، خوفا من الناس وضعفا وخورا: { ربنا لم كتبت علينا القتال }؟ وفي هذا تضجرهم، واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله، والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا: { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها، ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر. ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال: { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } أي: التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها، هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدنيا. وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام قال: قرأ الحسن: {قل متاع الدنيا قليل} قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، ما (3) الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مسهر ينشد: ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له %~% من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها %~% متاع قليل والزوال قريب وقوله: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: {كل من عليها فان [ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام] (4) } [الرحمن: 26، 27] وقال تعالى {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] وقال تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} [الأنبياء: 34] والمقصود: أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، وسواء عليه جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلا محتوما، وأمدا مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء (5) . وقوله: {ولو كنتم في بروج مشيدة} أي: حصينة منيعة عالية رفيعة. وقيل: هي بروج في السماء. قاله السدي، وهو ضعيف. والصحيح: أنها المنيعة. أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى: (6)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٣٦٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فتموتوا، {ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] يقول: " لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوكم حذرا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] فقال بعضهم: يعني به: قصور محصنة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢٣٤) ↗التحرير والتنوير
… والطاغوت في هذه السورة [5] ، وقوله: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [النساء: 60] . والمراد بكيد الشيطان تدبيره. وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكد الجملة بمؤكدين (إن) (وكان) الزائدة الدالة على تقرر ووصف الضعف لكيد الشيطان. [77- 79] 79] ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة تهيأ المقام للتذكير بحال فريق من المسلمين اختلف أول حاله وآخره، فاستطرد هنا التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحث على الجهاد، وهؤلاء فريق يودون أن يؤذن لهم بالقتال فلما كتب عليهم القتال في إبانه جبنوا. وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله: قيل لهم كفوا أيديكم، لأن كف اليد مراد، منه ترك القتال، كما قال: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة [الفتح: 24] . والجملة معترضة بين جملة وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله [النساء: 75] والجمل التي بعدها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗