سورة النساء: ٧٧–٨١
كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء، لعدة فوائد: منها: أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل. ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عددهم وعددهم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحكم. وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا [النساء: 66] فلما هاجروا إلى المدينة، وقوي الإسلام، كتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك، خوفا من الناس وضعفا وخورا: { ربنا لم كتبت علينا القتال }؟ وفي هذا تضجرهم، واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله، والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا: { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها، ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر. ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال: { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } أي: التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها، هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها - كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه - " أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى: فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17]. وقال الله على لسان نبيه: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام، والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه. وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم، وأهلها خالدون فيها، فإذا فكر العاقل في هاتين الدارين، وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له، والاجتهاد لطلبه، ولهذا قال: { والآخرة خير لمن اتقى } أي: اتقى الشرك، وسائر المحرمات. { ولا تظلمون فتيلا } أي: فسعيكم للدار الآخرة، ستجدونه كاملا موفرا غير منقوص منه شيئا. ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر، وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئا، فقال: { أينما تكونوا يدرككم الموت } أي: في أي زمان، وأي مكان. { ولو كنتم في بروج مشيدة } أي: قصور منيعة، ومنازل رفيعة، وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها. ثم قال: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا * من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } يخبر تعالى عن الذين لا يعلمون المعرضين عما جاءت به الرسل، المعارضين لهم، أنهم إذا جاءتهم حسنة، أي: خصب وكثرة أموال، وتوفر أولاد وصحة، قالوا: { هذه من عند الله } وأنهم إن أصابتهم سيئة، أي: جدب، وفقر، ومرض وموت أولاد وأحباب قالوا: { هذه من عندك } أي: بسبب ما جئتنا به يا محمد، تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تطير أمثالهم برسل الله، كما أخبر الله عن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف: 131]. وقال قوم صالح: قالوا اطيرنا بك وبمن معك [النمل: 47]. وقال قوم ياسين لرسلهم: إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم الآية [يس: 18]. فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وأعمالهم. وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه، فهو داخل في هذا الذم الوخيم. قال الله في جوابهم: { قل كل } أي: من الحسنة والسيئة، والخير والشر. { من عند الله } أي: بقضائه وقدره وخلقه. { فمال هؤلاء القوم } أي: الصادر منهم تلك المقالة الباطلة. { لا يكادون يفقهون حديثا } أي: لا يفهمون حديثا بالكلية، ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون منه إلا فهما ضعيفا، وعلى كل فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم. وفي ضمن ذلك مدح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه. فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك. وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام، لا يكونون سببا لشر يحدث، هم ولا ما جاؤوا به، لأنهم بعثوا بصلاح الدنيا والآخرة والدين. ثم قال تعالى: { مآ أصابك من حسنة } أي: في الدين والدنيا { فمن الله } هو الذي من بها ويسرها بتيسير أسبابها. { ومآ أصابك من سيئة } في الدين والدنيا { فمن نفسك } أي: بذنوبك وكسبك، وما يعفو الله عنه أكثر. فالله تعالى قد فتح لعباده أبواب إحسانه، وأمرهم بالدخول لبره وفضله، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله، فإذا فعلها العبد فلا يلومن إلا نفسه فإنه المانع لنفسه، عن وصول فضل الله وبره. ثم أخبر عن عموم رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } على أنك رسول الله حقا بما أيدك بنصره، والمعجزات الباهرة، والبراهين الساطعة، فهي أكبر شهادة على الإطلاق، كما قال تعالى: قل أي شيء أكبر شهدة قل الله شهيد بيني وبينكم [الأنعام: 19] فإذا علم أن الله تعالى، كامل العلم، تام القدرة، عظيم الحكمة، وقد أيد الله رسوله بما أيده، ونصره نصرا عظيما، تيقن بذلك أنه رسول الله، وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل، لأخذ منه باليمين، ثم لقطع منه الوتين. { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا * ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }. أي: كل من أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه { فقد أطاع الله } تعالى، لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه، ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يبلغ عن الله، لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك. وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة: حق لله تعالى، لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك. وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة. وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله، ومحبتهما وطاعتهما كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا [الفتح: 9]. فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما رتب على طاعة الله { ومن تولى } عن طاعة الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } أي: تحفظ أعمالهم وأحوالهم، بل أرسلناك مبلغا ومبينا وناصحا، وقد أديت وظيفتك، ووجب أجرك على الله، سواء اهتدوا أم لم يهتدوا. كما قال تعالى: فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر الآية [الغاشية: 21-22]. ولا بد أن تكون طاعة الله ورسوله ظاهرا وباطنا، في الحضرة والمغيب. فأما من يظهر في الحضرة والطاعة والالتزام، فإذا خلا بنفسه أو أبناء جنسه، ترك الطاعة وأقبل على ضدها، فإن الطاعة التي أظهرها غير نافعة ولا مفيدة، وقد أشبه من قال الله فيهم: { ويقولون طاعة } أي يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك { فإذا برزوا من عندك } أي: خرجوا وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم { بيت طآئفة منهم غير الذي تقول } أي بيتوا ودبروا غير طاعتك ولا ثم إلا المعصية. وفي قوله { بيت طآئفة منهم غير الذي تقول } دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه غير الطاعة لأن التبييت تدبير الأمر ليلا على وجه يستقر عليه الرأي ثم توعدهم على ما فعلوا فقال { والله يكتب ما يبيتون } أي: يحفظه عليهم، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، ففيه وعيد لهم. ثم أمر رسوله بمقابلتهم بالإعراض، وعدم التعنيف، فإنهم لا يضرونه شيئا إذا توكل على الله واستعان به في نصر دينه وإقامة شرعه ولهذا قال: { فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }.