سورة النحل · الآية ٨٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حال الذين كفروا في يوم القيامة، وأنه لا يقبل لهم عذر، ولا يرفع عنهم العقاب، وأن شركاءهم تتبرأ منهم، ويقرون على أنفسهم بالكفر والافتراء على الله، فقال: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } يشهد عليهم بأعمالهم، وماذا أجابوا به الداعي إلى الهدى، وذلك الشهيد الذي يبعثه الله أزكى الشهداء وأعدلهم، وهم الرسل الذين إذا شهدوا تم عليهم الحكم. ف { لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار، لأن اعتذارهم بعد ما علم يقينا بطلان ما هم عليه، اعتذار كاذب لا يفيدهم شيئا، وإن طلبوا أيضا الرجوع إلى الدنيا، ليستدركوا لم يجابوا ولم يعتبوا، بل يبادرهم العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم من غير إنظار، ولا إمهال من حين يرونه، لأنهم لا حساب عليهم لأنهم لا حسنات لهم، وإنما تعد أعمالهم وتحصى، ويوقفون عليها ويقرون بها ويفتضحون. { وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم } يوم القيامة وعلموا بطلانها، ولم يمكنهم الإنكار. { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } ليس عندها نفع ولا شفع، فنوهوا بأنفسهم ببطلانها، وكفروا بها، وبدت البغضاء والعداوة بينهم وبينها، { فألقوا إليهم القول } أي: ردت عليهم شركاؤهم قولهم، فقالت لهم: { إنكم لكاذبون } حيث جعلتمونا شركاء لله، وعبدتمونا معه، فلم نأمركم بذلك، ولا زعمنا أن فينا استحقاقا للألوهية، فاللوم عليكم. فحينئذ استسلموا لله، وخضعوا لحكمه، وعلموا إنهم مستحقون للعذاب. { وضل عنهم ما كانوا يفترون } فدخلوا النار، وقد امتلأت قلوبهم من مقت أنفسهم، ومن حمد ربهم، وأنه لم يعاقبهم إلا بما كسبوا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٨٤–٨٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا (1) يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، الذي جعل مع الله إلها آخر، وبكذا وكذا (2) وتذكر (3) أصنافا من الناس، كما جاء في الحديث. ثم تنطوي (4) عليهم وتتلقطهم من الموقف كما يتلقط الطائر الحب قال الله تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} [الفرقان: 12 -14] ، وقال تعالى: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 53] . وقال تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون} [الأنبياء: 39، 40] . ثم أخبر تعالى عن تبرئ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها، فقال: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم، ما نحن أمرناكم (5) بعبادتنا. كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] . وقال الخليل عليه الصلاة والسلام: {ثم يوم القيامة (6) يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] وقال تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم (7) فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا} [الكهف: 52] والآيات في هذا كثيرة. وقوله: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} -قال قتادة، وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي: استسلموا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يؤذن للذين كفروا} [النحل: 84] يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون {ولا هم يستعتبون} [النحل: 84] فيتركوا الرجوع إلى الدنيا فينيبوا ويتوبوا، وذلك كما قال تعالى: {هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 36] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٢٧) ↗التحرير والتنوير
وجملة كذلك يتم نعمته عليكم تذييل لما ذكر من النعم، والمشار إليه هو ما في النعم المذكورة من الإتمام، أو إلى الإتمام المأخوذ من يتم. و (لعل) للرجاء، استعملت في معنى الرغبة، أي رغبة في أن تسلموا، أي تتبعوا دين الإسلام الذي يدعوكم إلى ما مآله شكر نعم الله تعالى. وتقدم تأويل معنى الرجاء في كلام الله تعالى من سورة البقرة. [82] 82] فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) تفريع على جملة لعلكم تسلمون [سورة النحل: 81] وقع اعتراضا بين جملة كذلك يتم نعمته عليكم [سورة النحل: 81] وجملة ويوم نبعث من كل أمة شهيدا [سورة النحل: 84] . وقد حول الخطاب عنهم إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم وهو نوع من الالتفات فيه التفات من أسلوب إلى أسلوب والتفات عمن كان الكلام موجها إليه بتوجيه الكلام إلى شخص آخر. والمعنى: كذلك يتم نعمته عليكم لتسلموا فإن لم يسلموا فإنما عليك البلاغ. والمقصود: تسلية النبيء صلى الله عليه وسلم على عدم استجابتهم. والتولي: الإعراض. وفعل تولوا هنا بصيغة الماضي، أي فإن أعرضوا عن الدعوة فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك فإنك قد بلغت البلاغ المبين للمحجة. والقصر إضافي، أي ما عليك إلا البلاغ لا تقليب قلوبهم إلى الإسلام، أو لا تولي جزاءهم على الإعراض، بل علينا جزاؤهم كقوله تعالى: فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [سورة الرعد: 40] . وجعل هذا جوابا لجملة فإن تولوا من إقامة السبب والعلة مقام المسبب والمعلول: وتقدير الكلام: فإن تولوا فلا تقصير ولا مؤاخذة عليك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٤١) ↗