البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٨٣

﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها فقال: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } في الدور والقصور ونحوها تكنكم من الحر والبرد وتستركم، أنتم وأولادكم وأمتعتكم، وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم، وفيها حفظ لأموالكم وحرمكم، وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، { وجعل لكم من جلود الأنعام } إما من الجلد نفسه، أو مما نبت عليه، من صوف وشعر ووبر. { بيوتا تستخفونها } أي: خفيفة الحمل تكون لكم في السفر والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، وتقي متاعكم من المطر، { و } جعل لكم { من أصوافها } أي: الأنعام { وأوبارها وأشعارهآ أثاثا } وهذا شامل لكل ما يتخذ منها من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك. { ومتاعا إلى حين } أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا وتنتفعون بها، فهذا مما سخر الله العباد لصنعته وعمله. { والله جعل لكم مما خلق } أي: من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها { ظلالا } وذلك، كأظلة الأشجار والجبال، والآكام ونحوها، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } أي: مغارات، تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء. { وجعل لكم سرابيل } أي: ألبسة وثيابا { تقيكم الحر } ولم يذكر الله البرد، لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم، وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم، فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله لكم فيها دفء ومنافع [النحل: 5]. { تقيكم بأسكم } أي: وثيابا تقيكم وقت البأس والحرب، من السلاح، وذلك، كالدروع والزرد، ونحوها، كذلك يتم نعمته عليكم حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر { لعلكم } إذا ذكرتم نعمة الله، ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه { تسلمون } لعظمته وتنقادون لأمره، وتصرفونها في طاعة موليها ومسديها، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى، ولكن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

لأنك ما عليك إلا البلاغ. ونظير هذه قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين [سورة المائدة: 92] . [83] 83] يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) استئناف بياني لأن توليهم عن الإسلام مع وفرة أسباب اتباعه يثير سؤالا في نفس السامع: كيف خفيت عليهم دلائل الإسلام، فيجاب بأنهم عرفوا نعمة الله ولكنهم أعرضوا عنها إنكارا ومكابرة. ويجوز أن تجعلها حالا من ضمير تولوا [سورة النحل: 82] . ويجوز أن تكون بدل اشتمال لجملة تولوا. وهذه الوجوه كلها تقتضي عدم عطفها على ما قبلها. والمعنى: هم يعلمون نعمة الله المعدودة عليهم فإنهم منتفعون بها، ومع تحققهم أنها نعمة من الله ينكرونها، أي ينكرون شكرها فإن النعمة تقتضي أن يشكر المنعم عليه بها من أنعم عليه فلما عبدوا ما لا ينعم عليهم فكأنهم أنكروها، فقد أطلق فعل «ينكرون» بمعنى إنكار حق النعمة، فإسناد إنكار النعمة إليهم مجاز لغوي، أو هو مجاز عقلي، أي ينكرون ملابسها وهو الشكر. وثم للتراخي الرتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل، فهو عطف على جملة يعرفون نعمت الله، وكأنه قيل: وينكرونها، لأن ثم لما كانت للعطف اقتضت التشريك في الحكم، ولما كانت للتراخي الرتبي زال عنها معنى المهلة الزمانية الموضوعة هي له فبقي لها معنى التشريك وصارت المهلة مهلة رتبية لأن إنكار نعمة الله أمر غريب. وإنكار النعمة يستوي فيه جميع المشركين أيمتهم ودهماؤهم، ففريق من المشركين وهم أيمة الكفر شأنهم التعقل والتأمل فإنهم عرفوا النعمة بإقرارهم بالمنعم وبما سمعوا من دلائل القرآن حتى ترددوا وشكوا في

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٤٢) ↗