البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة يوسف · الآية ٨٩

﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } أما يوسف فظاهر فعلهم فيه، وأما أخوه، فلعله والله أعلم قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل [يوسف: 77] أو أن الحادث الذي فرق بينه وبين أبيه، هم السبب فيه، والأصل الموجب له، { إذ أنتم جاهلون } وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فعل الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم. فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: { أءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينآ } بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر والتقوى، { إنه من يتق ويصبر } أي: يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } فإن هذا من الإحسان، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكنك مما تريد { وإن كنا لخاطئين } وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف. ف { قال } لهم يوسف عليه السلام، كرما وجودا: { لا تثريب عليكم اليوم } أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم { يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } فسمح لهم سماحا تاما، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ٨٩–٩٢) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى مخبرا عن يوسف، عليه السلام: أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه، مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء، فتعرف إليهم، يقال (1) إنه رفع التاج عن جبهته، وكان فيها شامة، وقال: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} ؟ يعني: كيف فرقوا بينه وبينه {إذ أنتم جاهلون} أي: إنما حملكم على هذا (2) الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} إلى قوله: {إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 119] . والظاهر -والله أعلم -أن يوسف، عليه السلام، إنما تعرف إليهم بنفسه، بإذن الله له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين (3) بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} (4) [الشرح: 5، 6] ، فعند ذلك قالوا: {أئنك لأنت يوسف} ؟ وقرأ أبي بن كعب: "أو أنت (5) يوسف"، وقرأ ابن محيصن: "إنك لأنت (6) يوسف". والقراءة المشهورة هي الأولى؛ لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي: إنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: {أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي} {قد من الله علينا} أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة، {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق، والسعة والملك، والتصرف والنبوة أيضا -على قول من لم يجعلهم أنبياء -وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطئوا في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام غلبته نفسه، فارفض دمعه باكيا، ثم باح لهم بالذي يكتم منهم، فقال: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} [يوسف: 89] ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه، ولكن للتفريق بينه وبين أخيه، إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} [يوسف: 88] الآية، قال: فرحمهم عند ذلك، فقال لهم: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} [يوسف: 89] " فتأويل الكلام: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه، إذ فرقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم جاهلون، يعني في حال جهلكم بعاقبة ما تفعلون بيوسف، وما إليه صائر أمره وأمركم؟

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٣٢٧) ↗

التحرير والتنوير

والضمير في قوله: إليه عائد إلى يوسف- عليه السلام- في قول أكثر المفسرين مقتصرين عليه. وذكر ابن عطية أنه قيل الضمير عائد إلى يعقوب- عليه السلام-. وجملة لتنبئنهم بأمرهم هذا بيان لجملة أوحينا. وأكدت باللام ونون التوكيد لتحقيق مضمونها سواء كان المراد منها الإخبار عن المستقبل أو الأمر في الحال. فعلى الأول فهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاما ألقاه الله في نفس يوسف- عليه السلام- حين كيدهم له، ويحتمل أنه وحي بواسطة الملك فيكون إرهاصا ليوسف- عليه السلام- قبل النبوءة رحمة من الله ليزيل عنه كربه، فأعلمه بما يدل على أن الله سيخلصه من هذه المصيبة وتكون له العاقبة على الذين كادوا له، وإيذان بأنه سيؤانسه في وحشة الجب بالوحي والبشارة، وبأنه سينبئ في المستقبل إخوته بما فعلوه معه كما تؤذن به نون التوكيد إذا اقترنت بالجملة الخبرية، وذلك يستلزم نجاته وتمكنه من إخوته لأن الإنباء بذلك لا يكون إلا في حال تمكن منهم وأمن من شرهم. ومعنى بأمرهم: بفعلهم العظيم في الإساءة. وجملة وهم لا يشعرون في موضع الحال، أي لتخبرنهم بما فعلوا بك وهم لا يشعرون أنك أخوهم بل في حالة يحسبونه مطلعا على المغيبات متكهنا بها، وذلك إخبار بما وقع بعد سنين مما حكي في هذه السورة بقوله تعالى: قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه [سورة يوسف: 89] الآيتين. وعلى احتمال عود ضمير إليه على يعقوب- عليه السلام- فالوحي هو إلقاء الله إليه ذلك بواسطة الملك، والواو أظهر في العطف حينئذ فهو معطوف على جملة فلما ذهبوا به إلى آخرها وأوحينا إليه قبل ذلك. ولتنبئنهم أمر، أي أوحينا إليه نبئهم بأمرهم هذا، أي أشعرهم بما كادوا ليوسف-

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٣٤) ↗