سورة يوسف · الآية ٨٨
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال يعقوب عليه السلام لبنيه: { يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما { ولا تيأسوا من روح الله } فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين. ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه، فذهبوا { فلما دخلوا عليه } أي: على يوسف { قالوا } متضرعين إليه: { يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ } أي: قد اضطررنا نحن وأهلنا { وجئنا ببضاعة مزجاة } أي: مدفوعة مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع، { فأوف لنا الكيل } أي: مع عدم وفاء العرض، وتصدق علينا بالزيادة عن الواجب. { إن الله يجزي المتصدقين } بثواب الدنيا والآخرة. فلما انتهى الأمر، وبلغ أشده، رق لهم يوسف رقة شديدة، وعرفهم بنفسه، وعاتبهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ٨٧–٨٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام، {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي: ومعنا ثمن الطعام الذي تمتاره، وهو ثمن قليل. قاله مجاهد، والحسن، وغير واحد. وقال ابن عباس: الرديء (1) لا ينفق، مثل خلق الغرارة، والحبل، والشيء، وفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان. وكذا قال قتادة، والسدي. وقال سعيد بن جبير [وعكرمة] (2) هي الدراهم الفسول. وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء. وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق. وقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر. وأصل الإزجاء: الدفع لضعف الشيء، كما قال حاتم الطائي: ليبك على ملحان ضيف مدفع %~% وأرملة تزجي مع الليل أرملا (3) وقال أعشى بني ثعلبة: الواهب المائة الهجان وعبدها %~% عوذا تزجي خلفها أطفالها (4) وقوله إخبارا عنهم: {فأوف لنا الكيل} أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك. وقرأ ابن مسعود: "فأوقر ركابنا وتصدق علينا". وقال ابن جريج: {وتصدق علينا} برد أخينا إلينا. وقال سعيد بن جبير والسدي: {وتصدق علينا} يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوز فيها. وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألم تسمع قوله: {فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} رواه ابن جرير عن الحارث، عن القاسم، عنه (5) (6) . وقال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن الأسود: سمعت مجاهدا وسئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي؟ فقال: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٠٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " وخرجوا إلى مصر راجعين إليها ببضاعة مزجاة: أي قليلة، لا تبلغ ما كانوا يتبايعون به، إلا أن يتجاوز لهم فيها " وقد رأوا ما نزل بأبيهم، وتتابع البلاء عليه في ولده وبصره، حتى قدموا على يوسف {فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز} [يوسف: 88] رجاء أن يرحمهم في شأن أخيهم، {مسنا وأهلنا الضر} [يوسف: 88] وعنى بقوله: {وجئنا ببضاعة مزجاة} [يوسف: 88] بدراهم أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام، إلا لمن يتجاوز فيها، وأصل الإزجاء: السوق بالدفع، كما قال النابغة الذبياني: [البحر البسيط] وهبت الريح من تلقاء ذي أرل %~% تزجي مع الليل من صرادها صرما
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٣١٦) ↗التحرير والتنوير
وفي خطابهم بوصف البنوة منه ترقيق لهم وتلطف ليكون أبعث على الامتثال. وجملة إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون تعليل للنهي عن اليأس، فموقع إن التعليل. والمعنى: لا تيأسوا من الظفر بيوسف- عليه السلام- معتلين بطول مدة البعد التي يبعد معها اللقاء عادة. فإن الله إذا شاء تفريج كربة هيأ لها أسبابها، ومن كان يؤمن بأن الله واسع القدرة لا يحيل مثل ذلك فحقه أن يأخذ في سببه ويعتمد على الله في تيسيره، وأما القوم الكافرون بالله فهم يقتصرون على الأمور الغالبة في العادة وينكرون غيرها. وقرأ البزي بخلف عنه ولا تأيسوا- وإنه لا يأيس بتقديم الهمزة على الياء الثانية، وتقدم في قوله: فلما استيأسوا منه [سورة يوسف: 80] . [88] فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) الفاء عاطفة على كلام مقدر دل عليه المقام، أي فارتحلوا إلى مصر بقصد استطلاق بنيامين من عزيز مصر ثم بالتعرض إلى التحسس من يوسف- عليه السلام-، فوصلوا مصر، فدخلوا على يوسف، فلما دخلوا عليه إلخ ... وقد تقدم آنفا وجه دعائهم يوسف عليه السلام بوصف العزيز. وأرادوا بمس الضر إصابته. وقد تقدم إطلاق مس الضر على الإصابة عند قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر في سورة الأنعام [17] . والبضاعة تقدمت آنفا. والمزجاة: القليلة التي لا يرغب فيها فكأن صاحبها يزجيها، أي يدفعها بكفة ليقبلها المدفوعة إليه. والمراد بها مال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٤٦) ↗