البيانابحثاسألالموضوعات

سورة هود · الآية ٥٦

﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ وإلى عاد أخاهم هودا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى عاد } وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف، من أرض اليمن، { أخاهم } في النسب { هودا } ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه. ف { قال } لهم { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون } أي: أمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عما هم عليه من عبادة غير الله، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله الكذب في عبادتهم لغيره، وتجويزهم لذلك، ووضح لهم وجوب عبادة الله، وفساد عبادة ما سواه. ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال: { يقوم لا أسألكم عليه أجرا } أي: غرامة من أموالكم على ما دعوتكم إليه، فتقولوا: هذا يريد أن يأخذ أموالنا، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا. { إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } ما أدعوكم إليه، وأنه موجب لقبوله، منتف المانع عن رده. { ويقوم استغفروا ربكم } عما مضى منكم { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلونه بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى. فإنكم إذا فعلتم ذلك { يرسل السمآء عليكم مدرارا } بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها. { ويزدكم قوة إلى قوتكم } فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: من أشد منا قوة [فصلت: 15]؟ فوعدهم أنهم إن آمنوا زادهم قوة إلى قوتهم. { ولا تتولوا } عنه، أي: عن ربكم { مجرمين } أي: مستكبرين عن عبادته، متجرئين على محارمه. ف { قالوا } رادين لقوله: { يهود ما جئتنا ببينة } إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها، فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه إلا وبعث الله على يديه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر. ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عبادتها وعيبك لها {قال إني أشهد الله واشهدوا} [أي أنتم أيضا] (1) {أني بريء مما تشركون من دونه} (2) . يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، {فكيدوني جميعا} أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقا، [ف ذروها تكيدني] (3) ، {ثم لا تنظرون} أي: طرفة عين [واحدة] (4) . وقوله: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} أي: [هي] (5) تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم. قال الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو (6) عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} قال: فيأخذ بنواصي عباده فيلقى المؤمن (7) حتى يكون له (8) أشفق من الوالد لولده (9) ويقال للكافر: {ما غرك بربك الكريم} [الانفطار: 6] . وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. يقول لهم [رسولهم] (10) هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، {ويستخلف ربي قوما غيركم} (11) يعبدونه وحده لا يشركون به [شيئا] (12) ولا يبالي بكم: فإنكم لا تضرونه بكفركم بل (13) يعود وبال ذلك عليكم، {إن ربي على كل شيء حفيظ} أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم (14) عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٣٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إلا والله مالكه وهو في قبضته وسلطانه ذليل له خاضع فإن قال قائل: وكيف قيل: هو آخذ بناصيتها، فخص بالأخذ الناصية دون سائر أماكن الجسد؟ قيل: لأن العرب كانت تستعمل ذلك في وصفها من وصفته بالذلة والخضوع، فتقول: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه له مطيع يصرفه كيف شاء؛ وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعتدوا بذلك عليه فخرا عند المفاخرة. فخاطبهم الله بما يعرفون في كلامهم،

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٤٤٩) ↗

التحرير والتنوير

الأرزاق، لأن كل ذلك قوة للأمة يجعلها في غنى عن الأمم الأخرى وقادرة على حفظ استقلالها ويجعل أمما كثيرة تحتاج إليها. وإلى قوتكم متعلق ب يزدكم. وإنما عدي ب إلى لتضمينه معنى يضم. وهذا وعد لهم بصلاح الحال في الدنيا- رضي الله عنهم-. وعطف عليه ولا تتولوا مجرمين تحذيرا من الرجوع إلى الشرك. والتولي: الانصراف. وهو هنا مجاز عن الإعراض. ومجرمين حال من ضمير تتولوا أي متصفين بالإجرام، وهو الإعراض عن قبول أمر الله تعالى. [53- 56] قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. محاورة منهم لهود- عليه السلام- بجواب عن دعوته، ولذلك جردت الجملة عن العاطف. وافتتاح كلامهم بالنداء يشير إلى الاهتمام بما سيقولونه، وأنه جدير بأن يتنبه له لأنهم نزلوه منزلة البعيد لغفلته فنادوه، فهو مستعمل في معناه الكنائي أيضا. وقد يكون مرادا منه مع ذلك توبيخه ولومه فيكون كناية ثانية، أو استعمال النداء في حقيقته ومجازه. وقولهم: ما جئتنا ببينة بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى: وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم [هود: 59] وإن كان القرآن لم يذكر آية معينة لهود- عليه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٩٧) ↗