سورة التوبة · الآية ٨٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد، فالله سيغني عنهم، ولله عباد وخواص من خلقه اختصهم بفضله يقومون بهذا الأمر، وهم { الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } غير متثاقلين ولا كسلين، بل هم فرحون مستبشرون، { وأولئك لهم الخيرات } الكثيرة في الدنيا والآخرة، { وأولئك هم المفلحون } الذين ظفروا بأعلى المطالب وأكمل الرغائب. { أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم } فتبا لمن لم يرغب بما رغبوا فيه، وخسر دينه ودنياه وأخراه، وهذا نظير قوله تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا [الإسراء: 107] وقوله: فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين [الأنعام: 89].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٨٨–٨٩) ↗التحرير والتنوير
و (معه) في موضع الحال من الذين لتدل على أنهم أتباع له في كل حال وفي كل أمر، فإيمانهم معه لأنهم آمنوا به عند دعوته إياهم، وجهادهم بأموالهم وأنفسهم معه، وفيه إشارة إلى أن الخيرات المبثوثة لهم في الدنيا والآخرة تابعة لخيراته ومقاماته. وعطفت جملة: وأولئك لهم الخيرات على جملة جاهدوا ولم تفصل مع جواز الفصل ليدل بالعطف على أنها خبر عن الذين آمنوا، أي على أنها من أوصافهم وأحوالهم لأن تلك أدل على تمكن مضمونها فيهم من أن يؤتى بها مستأنفة كأنها إخبار مستأنف. والإتيان باسم الإشارة لإفادة أن استحقاقهم الخيرات والفلاح كان لأجل جهادهم. والخيرات: جمع خير على غير قياس. فهو مما جاء على صيغة جمع التأنيث مع عدم التأنيث ولا علامته مثل سرادقات وحمامات. وجعله كثير من اللغويين جمع (خيرة) بتخفيف الياء مخفف (خيرة) المشدد الياء التي هي أنثى (خير) ، أو هي مؤنث (خير) المخفف الياء الذي هو بمعنى أخير. وإنما أنثوا وصف المرأة منه لأنهم لم يريدوا به التفضيل، وعلى هذا كله يكون خيرات هنا مؤولا بالخصال الخيرة، وكل ذلك تكلف لا داعي إليه مع استقامة الحمل على الظاهر. والمراد منافع الدنيا والآخرة. فاللام فيه للاستغراق. والقول في وأولئك هم المفلحون كالقول في نظيره في أول سورة البقرة. [89] 89] أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) استئناف بياني لجواب سؤال ينشأ عن الإخبار ب وأولئك لهم الخيرات [التوبة: 88] . والإعداد: التهيئة. وفيه إشعار بالعناية والتهمم بشأنهم. وتقدم القول في نظير هذه الآية في قوله قبل وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة [التوبة: 72] الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٩١) ↗