البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٩٠

﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا الله ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: { المعذرون } أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر. { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } في الدنيا والآخرة. لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في الشرع، وقسم غير معذور، ذكر ذلك بقوله: { ليس على الضعفآء } في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. { ولا على المرضى } وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ذلك. { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } أي: لا يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا لله ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد. { ما على المحسنين من سبيل } أي: من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم - بإحسانهم فيما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد - أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه. ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في [نفسه] أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان. { والله غفور رحيم } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال الضحاك، عن ابن عباس: إنه كان يقرأ: "وجاء المعذرون" بالتخفيف، ويقول: هم أهل العذر. وكذا روى ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء. قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار منهم: خفاف بن إيماء بن رحضة. وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي: لم يأتوا فيعتذروا. وقال ابن جريج عن مجاهد: {وجاء المعذرون من الأعراب} قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله. وكذا قال الحسن، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، والقول الأول أظهر (1) والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم، فقال: {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد فيها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به. ما هو عارض بسبب مرض عن له في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره (2) لا يقدر على التجهز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، رضي الله عنه، قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران -أو: بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة -بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٩٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الله عليه وسلم والجهاد معه {الذين كذبوا الله ورسوله} [التوبة: 90] وقالوا الكذب، واعتذروا بالباطل منهم. يقول تعالى ذكره: سيصيب

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦١٩) ↗

التحرير والتنوير

ومخالطتهم، وأكثر ما كان ذلك في أهل المدينة لأنهم الذين كان معظمهم مؤمنين خلصا، وكانت من بينهم بقية من المنافقين وهم من ذوي قرابتهم، ولذلك افتتح الخطاب يا أيها الذين آمنوا إشعارا بأن ما سيلقى إليهم من الوصايا هو من مقتضيات الإيمان وشعاره. وقد أسفرت غزوة تبوك التي نزلت عقبها هذه السورة عن بقاء بقية من النفاق في أهل المدينة والأعراب المجاورين لها كما في قوله تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم [التوبة: 90]- وقوله- وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق [التوبة: 101] ونظائرهما من الآيات. روى الطبري عن مجاهد، والواحدي عن الكلبي أنهم لما أمروا بالهجرة وقال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا حاجب الكعبة، فلا نهاجر، تعلق بعض الأزواج والأبناء ببعض المؤمنين فقالوا «أتضيعوننا» فرقوا لهم وجلسوا معهم، فنزلت هذه الآية. ومعنى استحبوا الكفر أحبوه حبا متمكنا. فالسين والتاء للتأكيد، مثل ما في استقام واستبشر. حذر الله المؤمنين من موالاة من استحبوا الكفر على الإيمان، في ظاهر أمرهم أو باطنه، إذا اطلعوا عليهم وبدت عليهم أمارات ذلك بما ذكر من صفاتهم في هذه السورة، وجعل التحذير من أولئك بخصوص كونهم آباء وإخوانا تنبيها على أقصى الجدارة بالولاية ليعلم بفحوى الخطاب أن من دونهم أولى بحكم النهي. ولم يذكر الأبناء والأزواج هنا لأنهم تابعون فلا يقعدون بعد متبوعيهم. وقوله: فأولئك هم الظالمون أريد به الظالمون أنفسهم لأنهم وقعوا فيما نهاهم الله، فاستحقوا العقاب فظلموا أنفسهم بتسبب العذاب لها، فالظلم إذن بمعناه اللغوي وليس مرادا به الشرك. وصيغة الحصر للمبالغة بمعنى أن ظلم غيرهم كلا ظلم بالنسبة لعظمة ظلمهم. ويجوز أن يكون هم الظالمون عائدا إلى ما عاد إليه ضمير النصب في قوله: ومن يتولهم أي إلى الآباء والإخوان الذين استحبوا الكفر على الإيمان،

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٥١) ↗