سورة التوبة · الآية ٨٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لا تغتر بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال والأولاد، فليس ذلك لكرامتهم عليه، وإنما ذلك إهانة منه لهم. { إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا } ، فيتعبون في تحصيلها، ويخافون من زوالها، ولا يتهنؤون بها. بل لا يزالون يعانون الشدائد والمشاق فيها، وتلهيهم عن الله والدار الآخرة، حتى ينتقلوا من الدنيا { وتزهق أنفسهم وهم كفرون } قد سلبهم حبها عن كل شيء، فماتوا وقلوبهم بها متعلقة، وأفئدتهم عليها متحرقة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٨٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب] (1) } . وقوله: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد} أي: يقولون في دعائهم: إنك -يا ربنا-ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم (2) فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر. لله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) } يخبر تعالى عن الكفار أنهم وقود النار، {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 52] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 85] وقال تعالى: {لا (1) يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} [آل عمران:196: 197] كما قال هاهنا: {إن الذين كفروا} أي: بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار} أي: حطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [أنتم لها واردون] } (2) [الأنبياء:98] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد، عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: بينما نحن بمكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فقال (3) هل بلغت، اللهم هل بلغت ... " ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب فقال: نعم. ثم أصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتخوضن (4) البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ " قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أجل كثرة ماله وولده، فإني إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذبه بها في الدنيا بالغموم والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات. {وتزهق أنفسهم} [التوبة: 55] يقول: وليموت فتخرج نفسه من جسده، فيفارق ما أعطيته من المال والولد، فيكون ذلك حسرة عليه عند موته ووبالا عليه حينئذ ووبالا عليه في الآخرة بموته، جاحدا توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن السدي: " {وتزهق أنفسهم} [التوبة: 55] في الحياة الدنيا "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦١٥) ↗التحرير والتنوير
85] ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون، أي لا تعجبكم، والجملة معطوفة على جملة النهي عن الصلاة عليهم. ومناسبة ذكر هذا الكلام هنا أنه لما ذكر ما يدل على شقاوتهم في الحياة الآخرة كان ذلك قد يثير في نفوس الناس أن المنافقين حصلوا سعادة الحياة الدنيا بكثرة الأموال والأولاد وخسروا الآخرة. وربما كان في ذلك حيرة لبعض المسلمين أن يقولوا: كيف من الله عليهم بالأموال والأولاد وهم أعداؤه وبغضاء نبيئه. وربما كان في ذلك أيضا مسلاة لهم بين المسلمين، فأعلم الله المسلمين أن تلك الأموال والأولاد وإن كانت في صورة النعمة فهي لهم نقمة وعذاب، وأن الله عذبهم بها في الدنيا بأن سلبهم طمأنينة البال عليها لأنهم لما اكتسبوا عداوة الرسول والمسلمين كانوا يحذرون أن يغري الله رسوله بهم فيستأصلهم، كما قال: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [الأحزاب: 60، 61] ، ثم جعل ذلك مستمرا إلى موتهم على الكفر الذي يصيرون به إلى العذاب الأبدي. وقد تقدم نظير هذه الآية في هذه السورة عند ذكر شحهم بالنفقة في قوله: قل أنفقوا طوعا أو كرها [التوبة: 53] الآيتين، فأفيد هنالك عدم انتفاعهم بأموالهم وأنها عذاب عليهم في الدنيا، ثم أعيدت الآية بغالب ألفاظها هنا تأكيدا للمعنى الذي اشتملت عليه إبلاغا في نفي الفتنة والحيرة عن الناس. ولكن هذه الآية خالفت السابقة بأمور: أحدها: أن هذه جاء العطف في أولها بالواو والأخرى عطفت بالفاء. ومناسبة التفريع هنالك تقدم بيانها، ومناسبة عدم التفريع هنا أن معنى الآية هذه ليس مفرعا على معنى الجملة المعطوف عليها ولكن بينهما مناسبة فقط.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٨٦) ↗