سورة التوبة · الآية ٨٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } من المنافقين { ولا تقم على قبره } بعد الدفن لتدعو له، فإن صلاته ووقوفه على قبورهم شفاعة منه لهم، وهم لا تنفع فيهم الشفاعة. { إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } ومن كان كافرا ومات على ذلك، فما تنفعه شفاعة الشافعين، وفي ذلك عبرة لغيرهم، وزجر ونكال لهم، وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق، فإنه لا يصلى عليه. وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في المؤمنين، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٨٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أبي -جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما خيرني الله فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وسأزيده على السبعين". قال: إنه منافق! قال: فصلى عليه [رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) فأنزل الله، عز وجل، آية: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به (2) ثم رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله -وهو ابن عمر -العمري -به وقال: فصلى عليه، وصلينا معه، وأنزل الله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} الآية. وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، به (3) وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضا بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. يقول لما توفي عبد الله بن [أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن] (4) أبي القائل يوم كذا: كذا وكذا -يعدد أيامه -قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: "أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة:80] لو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت". قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على قبره} [التوبة: 84] يقول: ولا تتول دفنه وتقبره، من قول القائل: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. {إنهم كفروا بالله} [التوبة: 84] يقول إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون من الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦١٠) ↗التحرير والتنوير
اسم الزمان شائع في كلامهم، بخلاف انتصابها في قوله: وهم بدؤكم أول مرة [التوبة: 13] وفي قوله: إن تستغفر لهم سبعين مرة [التوبة: 80] كما تقدم. وأول مرة هي غزوة تبوك التي تخلفوا عنها. وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة اقتصر على الإفراد والتذكير ولو كان المضاف إليه غير مفرد ولا مذكر لأن في المضاف إليه دلالة على المقصود كافية. والفاء في فاقعدوا تفريع على إنكم رضيتم بالقعود، أي لما اخترتم القعود لأنفسكم فاقعدوا الآن لأنكم تحبون التخلف. والخالفين جمع خالف وهو الذي يخلف الغازي في أهله وكانوا يتركون لذلك. من لا غناء له في الحرب. فكونهم مع الخالفين تعيير لهم. [84] 84] ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) لما انقضى الكلام على الاستغفار للمنافقين الناشئ، عن الاعتذار والحلف الكاذبين وكان الإعلام بأن الله لا يغفر لهم مشوبا بصورة التخيير في الاستغفار لهم، وكان ذلك يبقي شيئا من طمعهم في الانتفاع بالاستغفار لأنهم يحسبون المعاملة الربانية تجري على ظواهر الأعمال والألفاظ كما قدمناه في قوله: فرح المخلفون [التوبة: 81] ، تهيأ الحال للتصريح بالنهي عن الاستغفار لهم والصلاة على موتاهم، فإن الصلاة على الميت استغفار. فجملة ولا تصل عطف على جملة استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [التوبة: 80] عطف كلام مراد إلحاقه بكلام آخر لأن القرآن ينزل مراعى فيه مواقع وضع الآي. وضمير منهم عائد إلى المنافقين الذين عرفوا بسيماهم وأعمالهم الماضية الذكر. وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري والترمذي من حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب قال: «لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٨٤) ↗