البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٨٣

﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان. { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } وهذا قدر زائد على مجرد التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به. { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا -ولو لعذر- حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل الله وإحسانه وبره وامتنانه. { وقالوا } أي: المنافقون { لا تنفروا في الحر } أي: قالوا: إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا يقادر قدره، وهو النار الحامية. ولهذا قال: { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } لما آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة. قال الله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } أي: فليتمتعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذاتها، ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرا في عذاب أليم { جزآء بما كانوا يكسبون } من الكفر والنفاق، وعدم الانقياد لأوامر ربهم. { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } وهم الذين تخلفوا من غير عذر، ولم يحزنوا على تخلفهم { فاستأذنوك للخروج } لغير هذه الغزوة، إذا رأوا السهولة. { فقل } لهم عقوبة { لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } فسيغني الله عنكم. { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } وهذا كما قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة لا يوفق له بعد ذلك، ويحال بينه وبينه. وفيه أيضا تعزير لهم، فإنه إذا تقرر عند …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال ابن زيد: هو قوله: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين} [التوبة: 83] . وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في "براءة" نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن غزوة (1) الحديبية. وقال ابن جريج: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} يعني: بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد. {قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} أي: وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم (2) الخروج معهم، {فسيقولون بل تحسدوننا} أي: أن نشرككم في المغانم، {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم (3) . اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد، على أقوال: أحدها: أنهم هوازن. رواه شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة (1) ، أو جميعا-ورواه هشيم عن أبي بشر، عنهما. وبه يقول قتادة في رواية عنه. الثاني: ثقف، قاله الضحاك. الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر. ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري. وروي مثله عن سعيد وعكرمة. الرابع: هم أهل فارس. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة -في إحدى الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم. وعن ابن أبي ليلى، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان. وعنه أيضا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة. وبه يقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن معمر (2) ، عن

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٣٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

المنافقين من غزوتك هذه، فاستأذنوك للخروج معك في أخرى غيرها، فقل لهم: {لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} [التوبة: 83] وذلك عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} [التوبة: 83] يقول: فاقعدوا مع الذين قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنكم منهم، فاقتدوا بهديهم واعملوا مثل الذي عملوا من معصية الله، فإن الله قد سخط عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٠٨) ↗

التحرير والتنوير

والضحك هنا كناية عن الفرح أو أريد ضحكهم فرحا لاعتقادهم ترويج حيلتهم على النبيء صلى الله عليه وسلم إذ أذن لهم بالتخلف. والبكاء: كناية عن حزنهم في الآخرة فالأمر بالضحك وبالبكاء مستعمل في الإخبار بحصولهما قطعا إذ جعلا من أمر الله أو هو أمر تكوين مثل قوله: فقال لهم الله موتوا [البقرة: 243] والمعنى أن فرحهم زائل وأن بكاءهم دائم. والضحك: كيفية في الفم تتمدد منها الشفتان وربما أسفرتا عن الأسنان وهي كيفية تعرض عند السرور والتعجب من الحسن. والبكاء: كيفية في الوجه والعينين تنقبض بها الوجنتان والأسارير والأنف. ويسيل الدمع من العينين، وذلك يعرض عند الحزن والعجز عن مقاومة الغلب. وقوله: جزاء بما كانوا يكسبون حال من ضميرهم، أي جزاء لهم، والمجعول جزاء هو البكاء المعاقب للضحك القليل لأنه سلب نعمة بنقمة عظيمة. وما كانوا يكسبون هو أعمال نفاقهم، واختير الموصول في التعبير عنه لأنه أشمل مع الإيجاز. وفي ذكر فعل الكون، وصيغة المضارع في يكسبون ما تقدم في قوله: ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [التوبة: 70] . [83] 83] فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) الفاء للتفريع على ما آذن به قوله: قل نار جهنم أشد حرا [التوبة: 81] إذ فرع على الغضب عليهم وتهديدهم عقاب آخر لهم، بإبعادهم عن مشاركة المسلمين في غزواتهم. وفعل رجع يكون قاصرا ومتعديا مرادفا لأرجع. وهو هنا متعد، أي أرجعك الله.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٨٢) ↗