سورة التوبة · الآية ٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان. { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } وهذا قدر زائد على مجرد التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به. { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا -ولو لعذر- حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل الله وإحسانه وبره وامتنانه. { وقالوا } أي: المنافقون { لا تنفروا في الحر } أي: قالوا: إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا يقادر قدره، وهو النار الحامية. ولهذا قال: { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } لما آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة. قال الله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } أي: فليتمتعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذاتها، ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرا في عذاب أليم { جزآء بما كانوا يكسبون } من الكفر والنفاق، وعدم الانقياد لأوامر ربهم. { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } وهم الذين تخلفوا من غير عذر، ولم يحزنوا على تخلفهم { فاستأذنوك للخروج } لغير هذه الغزوة، إذا رأوا السهولة. { فقل } لهم عقوبة { لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } فسيغني الله عنكم. { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } وهذا كما قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة لا يوفق له بعد ذلك، ويحال بينه وبينه. وفيه أيضا تعزير لهم، فإنه إذا تقرر عند …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم (1) بعد خروجه، {وكرهوا أن يجاهدوا} معه {بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا} أي: بعضهم لبعض: {لا تنفروا في الحر} ؛ وذلك أن الخروج في (2) غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا (3) {لا تنفروا في الحر} قال الله تعالى لرسوله: {قل} لهم: {نار جهنم} التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم {أشد حرا} مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرا من النار، كما قال الإمام مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءا [من نار جهنم" فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال (4) إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا] (5) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (6) وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (7) صلى الله عليه وسلم قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل [الله] (8) فيها منفعة لأحد" (9) وهذا أيضا إسناده صحيح (10) وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدوري، عن يحيى بن أبي بكير (11) عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم". ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى (12) كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٨٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
جهنم مكان ضحكهم القليل في الدنيا {جزاء} [البقرة: 85] يقول: ثوابا منا لهم على معصيتهم بتركهم النفر إذ استنفروا إلى عدوهم وقعودهم في منازلهم خلاف رسول الله. {بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] يقول: بما كانوا يجترحون من الذنوب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٠٥) ↗التحرير والتنوير
مخالفة لإرادة رسول الله حين استنفر الناس كلهم للغزو. ولذلك جعله بعض المفسرين منصوبا على المفعول له، أي بمقعدهم لمخالفة أمر الرسول. وكراهيتهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله خصلة أخرى من خصال النفاق لأن الله أمر بذلك في الآية المتقدمة وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [التوبة: 41] الآية، ولكونها خصلة أخرى جعلت جملتها معطوفة ولم تجعل مقترنة بلام التعليل مع أن فرحهم بالقعود سببه هو الكراهية للجهاد. وقولهم: لا تنفروا في الحر خطاب بعضهم بعضا وكانت غزوة تبوك في وقت الحر حين طابت الظلال. وجملة: قل نار جهنم أشد حرا مستأنفة ابتدائية خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود قرع أسماعهم بهذا الكلام. وكون نار جهنم أشد حرا من حر القيظ أمر معلوم لا يتعلق الغرض بالإخبار عنه. فتعين أن الخبر مستعمل في التذكير بما هو معلوم تعريضا بتجهيلهم لأنهم حذروا من حر قليل وأقحموا أنفسهم فيما يصير بهم إلى حر أشد. فيكون هذا التذكير كناية عن كونهم واقعين في نار جهنم لأجل قعودهم عن الغزو في الحر، وفيه كناية عرضية عن كونهم صائرين إلى نار جهنم. وجملة: لو كانوا يفقهون تتميم، للتجهيل والتذكير، أي يقال لهم ذلك لو كانوا يفقهون الذكرى، ولكنهم لا يفقهون، فلا تجدي فيهم الذكرى والموعظة، إذا ليس المراد لو كانوا يفقهون أن نار جهنم أشد حرا لأنه لا يخفى عليهم ولو كانوا يفقهون أنهم صائرون إلى النار ولكنهم لا يفقهون ذلك. [82] 82] فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) تفريع كلام على الكلام السابق من ذكر فرحهم، ومن إفادة قوله: قل نار جهنم أشد حرا [التوبة: 81] من التعريض بأنهم أهلها وصائرون إليها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٨١) ↗