سورة التوبة · الآية ٨١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان. { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } وهذا قدر زائد على مجرد التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به. { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا -ولو لعذر- حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل الله وإحسانه وبره وامتنانه. { وقالوا } أي: المنافقون { لا تنفروا في الحر } أي: قالوا: إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا يقادر قدره، وهو النار الحامية. ولهذا قال: { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } لما آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة. قال الله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } أي: فليتمتعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذاتها، ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرا في عذاب أليم { جزآء بما كانوا يكسبون } من الكفر والنفاق، وعدم الانقياد لأوامر ربهم. { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } وهم الذين تخلفوا من غير عذر، ولم يحزنوا على تخلفهم { فاستأذنوك للخروج } لغير هذه الغزوة، إذا رأوا السهولة. { فقل } لهم عقوبة { لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } فسيغني الله عنكم. { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } وهذا كما قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة لا يوفق له بعد ذلك، ويحال بينه وبينه. وفيه أيضا تعزير لهم، فإنه إذا تقرر عند …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم (1) بعد خروجه، {وكرهوا أن يجاهدوا} معه {بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا} أي: بعضهم لبعض: {لا تنفروا في الحر} ؛ وذلك أن الخروج في (2) غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا (3) {لا تنفروا في الحر} قال الله تعالى لرسوله: {قل} لهم: {نار جهنم} التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم {أشد حرا} مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرا من النار، كما قال الإمام مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءا [من نار جهنم" فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال (4) إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا] (5) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (6) وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (7) صلى الله عليه وسلم قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل [الله] (8) فيها منفعة لأحد" (9) وهذا أيضا إسناده صحيح (10) وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدوري، عن يحيى بن أبي بكير (11) عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم". ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى (12) كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٨٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أعدائه بمقعدهم {خلاف رسول الله} [التوبة: 81] يقول: بجلوسهم في منازلهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: على الخلاف لرسول الله في جلوسه ومقعده. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر إلى جهاد أعداء الله، فخالفوا أمره وجلسوا في منازلهم. وقوله: {خلاف} [المائدة: 33] مصدر من قول القائل: خالف فلان فلانا فهو يخالفه خلافا فلذلك جاء مصدره على تقدير فعال، كما يقال: قاتله فهو يقاتله قتالا، ولو كان مصدرا من خلفه، لكانت القراءة: بمقعدهم خلف رسول الله؛ لأن مصدر خلفه خلف، لا خلاف، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف. فقرئ: {خلاف رسول الله} [التوبة: 81] وهي القراءة التي عليها قراءة الأمصار، وهي الصواب عندنا. وقد تأول بعضهم ذلك، بمعنى: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: [البحر الكامل] عقب الربيع خلافهم فكأنما %~% بسط الشواطب بينهن حصيرا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٠٢) ↗التحرير والتنوير
ومعنى والله لا يهدي القوم الفاسقين أن الله لا يقدر لهم الهدي إلى الإيمان لأجل فسقهم، أي بعدهم عن التأمل في أدلة النبوءة، وعن الإنصاف في الاعتراف بالحق فمن كان ذلك ديدنه طبع على قلبه فلا يقبل الهدى فمعنى لا يهدي لا يخلق الهدى في قلوبهم. [81] 81] فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (81) استئناف ابتدائي. وهذه الآية تشير إلى ما حصل للمنافقين عند الاستنفار لغزوة تبوك فيكون المراد بالمخلفين خصوص من تخلف عن غزوة تبوك من المنافقين. ومناسبة وقوعها في هذا الموضع أن فرحهم بتخلفهم قد قوي لما استغفر لهم النبيء صلى الله عليه وسلم وظنوا أنهم استغفلوه فقضوا مأربهم ثم حصلوا الاستغفار ظنا منهم بأن معاملة الله إياهم تجري على ظواهر الأمور. فالمخلفون هم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك استأذنوا النبيء صلى الله عليه وسلم فأذن لهم وكانوا من المنافقين فلذلك أطلق عليهم في الآية وصف المخلفين بصيغة اسم المفعول لأن النبيء خلفهم، وفيه إيماء إلى أنه ما أذن لهم في التخلف إلا لعلمه بفساد قلوبهم، وأنهم لا يغنون عن المسلمين شيئا كما قال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [التوبة: 47] . وذكر فرحهم دلالة على نفاقهم لأنهم لو كانوا مؤمنين لكان التخلف نكدا عليهم ونغصا كما وقع للثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم. والمقعد هنا مصدر ميمي أي بقعودهم. وخلاف لغة في خلف. يقال: أقام خلاف الحي بمعنى بعدهم، أي ظعنوا ولم يظعن. ومن نكتة اختيار لفظ خلاف دون خلف أنه يشير إلى أن قعودهم كان
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٨٠) ↗