سورة التوبة · الآية ٨٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا أيضا من مخازي المنافقين، فكانوا -قبحهم الله- لا يدعون شيئا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالا، إلا قالوا وطعنوا بغيا وعدوانا، فلما حث الله ورسوله على الصدقة، بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم كل على حسب حاله، منهم المكثر، ومنهم المقل، فيلمزون المكثر منهم، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا، فأنزل الله تعالى: { الذين يلمزون } أي: يعيبون ويطعنون { المطوعين من المؤمنين في الصدقات } فيقولون: مراؤون، قصدهم الفخر والرياء. { و } يلمزون { الذين لا يجدون إلا جهدهم } فيخرجون ما استطاعوا ويقولون: الله غني عن صدقاتهم { فيسخرون منهم }. فقابلهم الله على صنيعهم بأن { سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذير. منها: تتبعهم لأحوال المؤمنين، وحرصهم على أن يجدوا مقالا يقولونه فيهم، والله يقول: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم [النور: 19]. ومنها: طعنهم بالمؤمنين لأجل إيمانهم، كفر بالله تعالى وبغض للدين. ومنها: أن اللمز محرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة، فأقبح وأقبح. ومنها: أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي [هو] إعانته وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه. ومنها: أن حكمهم على من أنفق مالا كثيرا بأنه مراء، غلط فاحش، وحكم على الغيب، ورجم بالظن، وأي شر أكبر من هذا؟!! ومنها: أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: " الله غني عن صدقة هذا " كلام مقصوده باطل، فإن الله غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله - وإن كان غنيا عنهم - فهم فقراء إليه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حملت عليه وإن تركته، هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه؛ كما قال تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة:6] ، {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة:80] ونحو ذلك. وقيل: معناه: أن قلب الكافر والمنافق والضال، ضعيف فارغ من الهدى، فهو كثير الوجيب (1) فعبر عن هذا بهذا، نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره. وقوله تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فاقصص القصص لعلهم} أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه -في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب -في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن، وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران، [عليه السلام] (2) ؛ ولهذا قال: {لعلهم يتفكرون} أي: فيحذروا أن يكونوا مثله؛ فإن الله قد أعطاهم علما، وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته، كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به؛ ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد، أحل الله به ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة. وقوله: {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون} يقول تعالى ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي (3) لا همة لها (4) إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه، صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله؛ ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الآيات بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها. وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] يقول: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها وترك فضيحتهم بها، فلن يستر الله عليهم، ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على رءوس الأشهاد يوم القيامة. {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} [التوبة: 80] يقول جل ثناؤه. هذا الفعل من الله بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم، من أجل أنهم جحدوا توحيد
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٩٨) ↗التحرير والتنوير
القبول فإنهم لا ينفقون إلا كرها لقوله تعالى بعد هذا: ولا ينفقون إلا وهم كارهون [التوبة: 54] . والأمر في أنفقوا للتسوية أي: أنفقوا أو لا تنفقوا، كما دلت عليه أو في قوله طوعا أو كرها وهو في معنى الخبر الشرطي لأنه في قوة أن يقال: لن يتقبل منكم إن أنفقتم طوعا أو أنفقتم كرها، ألا ترى أنه قد يجيء بعد أمثاله الشرط في معناه كقوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم [التوبة: 80] . والكره أشد الإلزام، وبينه وبين الطوع مراتب تعلم إرادتها بالأولى، وانتصب طوعا أو كرها على النيابة عن المفعول المطلق بتقدير: إنفاق طوع أو إنفاق كره. ونائت فاعل يتقبل: هو منكم أي لا يتقبل منكم شيء وليس المقدر الإنفاق المأخوذ من أنفقوا بل المقصود العموم. وجملة إنكم كنتم قوما فاسقين في موضع العلة لنفي التقبل، ولذلك وقعت فيها (إن) المفيدة لمعنى فاء التعليل، لأن الكافر لا يتقبل منه عمل البر. والمراد بالفاسقين: الكافرون، ولذلك أعقب بقوله: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله [التوبة: 54] . وإنما اختير وصف الفاسقين دون الكافرين لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فكانوا كالمائلين عن الإسلام إلى الكفر. والمقصود من هذا تأييسهم من الانتفاع بما بذلوه من أموالهم، فلعلهم كانوا يحسبون أن الإنفاق في الغزو ينفعهم على تقدير صدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من شكهم في أمر الدين، فتوهموا أنهم يعملون أعمالا تنفع المسلمين يجدونها عند الحشر على فرض ظهور صدق الرسول. ويبقون على دينهم فلا يتعرضون للمهالك في الغزو ولا للمشاق، وهذا من سوء نظر أهل الضلالة كما حكى الله تعالى عن بعضهم: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا [مريم: 77] إذ حسب أنه يحشر يوم البعث بحالته التي كان فيها في الحياة إذا صدق إخبار الرسول بالبعث.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٢٦) ↗