سورة التوبة · الآية ١٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: مبينا حال المنافقين، وحال المؤمنين عند نزول القرآن، وتفاوت ما بين الفريقين فقال: { وإذا مآ أنزلت سورة } فيها الأمر والنهي، والخبر عن نفسه الكريمة، وعن الأمور الغائبة، والحث على الجهاد. { فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } أي: حصل الاستفهام لمن حصل له الإيمان بها من الطائفتين. قال تعالى - مبينا الحال الواقعة -: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } بالعلم بها، وفهمها واعتقادها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر. { وهم يستبشرون } أي: يبشر بعضهم بعضا بما من الله عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها والعمل بها. وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات الله، وطمأنينة قلوبهم، وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه. { وأما الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي: مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها وعاندوها وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك { و } الطبع على قلوبهم، حتى { ماتوا وهم كافرون }. وهذا عقوبة لهم، لأنهم كفروا بآيات الله وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه. قال تعالى - موبخا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق -: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم. { ثم لا يتوبون } عما هم عليه من الشر { ولا هم يذكرون } ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه. فالله تعالى يبتليهم -كما هي سنته في سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٢٤–١٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. وعن عكرمة، وطاوس: {في قلوبهم مرض} يعني: الرياء. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {في قلوبهم مرض} قال: نفاق {فزادهم الله مرضا} قال: نفاقا، وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {في قلوبهم مرض} قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام {فزادهم الله مرضا} قال: زادهم رجسا، وقرأ: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 124، 125] قال: شرا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن، رحمه الله، حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضا: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] . وقوله {بما كانوا يكذبون} وقرئ: "يكذبون"، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه، عليه السلام، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين: أنه قال لعمر: "أكره أن يتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه" (1) ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدا يقتل أصحابه، قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون. ومنها: ما قال مالك، رحمه الله: إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه. قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يؤمنوا بها ولم يصدقوا، فكان ذلك زيادة شك حادثة في تنزيل الله لزمهم الإيمان به عليهم؛ بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة نتن من أفعالهم إلى ما سلف منهم نظيره من النتن والنفاق، وذلك معنى قوله: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا} [التوبة: 125] يعني هؤلاء المنافقين أنهم هلكوا، {وهم كافرون} [التوبة: 55] يعني وهم كافرون بالله وآياته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٩٠) ↗التحرير والتنوير
ومن وراء صريح هذا الكلام تعريض بالتهديد للمنافقين، إذ قد ظهر على كفرهم وهم أشد قربا من المؤمنين في المدينة. وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: يا أيها النبيء جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [التوبة: 73] . وجملة: واعلموا أن الله مع المتقين تأييد وتشجيع ووعد بالنصر إن اتقوا بامتثال الأمر بالجهاد. وافتتحت الجملة ب اعلموا للاهتمام بما يراد العلم به كما تقدم في قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء في سورة الأنفال [41] . والمعية هنا معية النصر والتأييد، كقوله تعالى: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] . وهذا تأييد لهم إذ قد علموا قوة الروم. [124، 125] وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) عطف على قوله: وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم [التوبة: 86] وهذا عود إلى بيان أحوال المنافقين وما بينهما اعتراضات. وهذه الآية زيدت فيها (ما) عقب (إذا) وزيادتها للتأكيد، أي لتأكيد معنى (إذا) وهو الشرط، لأن هذا الخبر لغرابته كان خليقا بالتأكيد، ولأن المنافقين ينكرون صدوره منهم بخلاف الآية السابقة لأن مضمونها حكاية استيذانهم وهم لا ينكرونه. ولم يذكر في هذه الآية إجمال ما اشتملت عليه السور التي أنزلت كما ذكر في قوله: وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله [التوبة: 86] . ووجه ذلك أن سور القرآن كلها لا تخلو عن دعاء إلى الإيمان والصالحات والإعجاز ببلاغتها. فالمراد إذا أنزلت سورة ما من القرآن. وضمير فمنهم عائد إلى المنافقين للعلم بالمعاد من المقام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٦٤) ↗