سورة التوبة · الآية ١٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: مبينا حال المنافقين، وحال المؤمنين عند نزول القرآن، وتفاوت ما بين الفريقين فقال: { وإذا مآ أنزلت سورة } فيها الأمر والنهي، والخبر عن نفسه الكريمة، وعن الأمور الغائبة، والحث على الجهاد. { فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } أي: حصل الاستفهام لمن حصل له الإيمان بها من الطائفتين. قال تعالى - مبينا الحال الواقعة -: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } بالعلم بها، وفهمها واعتقادها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر. { وهم يستبشرون } أي: يبشر بعضهم بعضا بما من الله عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها والعمل بها. وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات الله، وطمأنينة قلوبهم، وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه. { وأما الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي: مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها وعاندوها وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك { و } الطبع على قلوبهم، حتى { ماتوا وهم كافرون }. وهذا عقوبة لهم، لأنهم كفروا بآيات الله وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه. قال تعالى - موبخا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق -: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم. { ثم لا يتوبون } عما هم عليه من الشر { ولا هم يذكرون } ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه. فالله تعالى يبتليهم -كما هي سنته في سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٢٤–١٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي: مرتدا عن (1) دينه {وإن كانت لكبيرة} أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء (2) ، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 124،125] وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} [فصلت: 44] وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] . ولهذا كان من (3) ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب، من سادات الصحابة. وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين. وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة (4) . وقد رواه مسلم من وجه آخر، عن ابن عمر (5) . ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري (6) وعنده: أنهم كانوا ركوعا، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله (7) ، وهذا يدل على …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هذه السورة من يقول: أيها الناس أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ يقول تصديقا بالله وبآياته. يقول الله: فأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، فزادتهم السورة التي أنزلت إيمانا وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين فإن قال قائل: أوليس الإيمان في كلام العرب التصديق والإقرار؟ قيل: بلى. فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقا وإقرارا؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٨٨) ↗التحرير والتنوير
ومن وراء صريح هذا الكلام تعريض بالتهديد للمنافقين، إذ قد ظهر على كفرهم وهم أشد قربا من المؤمنين في المدينة. وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: يا أيها النبيء جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [التوبة: 73] . وجملة: واعلموا أن الله مع المتقين تأييد وتشجيع ووعد بالنصر إن اتقوا بامتثال الأمر بالجهاد. وافتتحت الجملة ب اعلموا للاهتمام بما يراد العلم به كما تقدم في قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء في سورة الأنفال [41] . والمعية هنا معية النصر والتأييد، كقوله تعالى: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] . وهذا تأييد لهم إذ قد علموا قوة الروم. [124، 125] وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) عطف على قوله: وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم [التوبة: 86] وهذا عود إلى بيان أحوال المنافقين وما بينهما اعتراضات. وهذه الآية زيدت فيها (ما) عقب (إذا) وزيادتها للتأكيد، أي لتأكيد معنى (إذا) وهو الشرط، لأن هذا الخبر لغرابته كان خليقا بالتأكيد، ولأن المنافقين ينكرون صدوره منهم بخلاف الآية السابقة لأن مضمونها حكاية استيذانهم وهم لا ينكرونه. ولم يذكر في هذه الآية إجمال ما اشتملت عليه السور التي أنزلت كما ذكر في قوله: وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله [التوبة: 86] . ووجه ذلك أن سور القرآن كلها لا تخلو عن دعاء إلى الإيمان والصالحات والإعجاز ببلاغتها. فالمراد إذا أنزلت سورة ما من القرآن. وضمير فمنهم عائد إلى المنافقين للعلم بالمعاد من المقام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٦٤) ↗