سورة التوبة · الآية ١٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: مبينا حال المنافقين، وحال المؤمنين عند نزول القرآن، وتفاوت ما بين الفريقين فقال: { وإذا مآ أنزلت سورة } فيها الأمر والنهي، والخبر عن نفسه الكريمة، وعن الأمور الغائبة، والحث على الجهاد. { فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } أي: حصل الاستفهام لمن حصل له الإيمان بها من الطائفتين. قال تعالى - مبينا الحال الواقعة -: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } بالعلم بها، وفهمها واعتقادها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر. { وهم يستبشرون } أي: يبشر بعضهم بعضا بما من الله عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها والعمل بها. وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات الله، وطمأنينة قلوبهم، وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه. { وأما الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي: مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها وعاندوها وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك { و } الطبع على قلوبهم، حتى { ماتوا وهم كافرون }. وهذا عقوبة لهم، لأنهم كفروا بآيات الله وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه. قال تعالى - موبخا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق -: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم. { ثم لا يتوبون } عما هم عليه من الشر { ولا هم يذكرون } ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه. فالله تعالى يبتليهم -كما هي سنته في سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٢٤–١٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: أولا يرى هؤلاء المنافقون (1) {أنهم يفتنون} أي: يختبرون {في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة، ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم. قال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع. وقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين. وقال شريك، عن جابر -هو الجعفي -عن أبي الضحى، عن حذيفة: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. رواه ابن جرير. وفي الحديث عن أنس: "لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحا، وما من عام إلا والذي بعده شر منه"، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. (2) وقوله: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} (3) هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، {نظر بعضهم إلى بعض} أي: تلفتوا، {هل يراكم من أحد ثم انصرفوا} أي: تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يقيمونه كما قال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة} [المدثر: 49-51] ، وقال تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين. عن اليمين وعن الشمال عزين} [المعارج:36، 37] ، أي: ما لهؤلاء القوم يتقللون عنك يمينا وشمالا هروبا من الحق، وذهابا إلى الباطل. وقوله: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} كقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٤٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
(أولا ترون) بالتاء، بمعنى أولا ترون أنتم أيها المؤمنون أنهم يفتنون؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٩٠) ↗التحرير والتنوير
126] أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) عطف على جملة فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: 125] إلى آخره فهي من تمام التفصيل. وقدمت همزة الاستفهام على حرف العطف على طريقة تصدير أدوات الاستفهام. والتصدير للتنبيه على أن الجملة في غرض الاستفهام. والاستفهام هنا إنكار وتعجيب لعدم رؤيتهم فتنتهم فلا تعقبها توبتهم ولا تذكرهم أمر ربهم. والغرض من هذا الإنكار هو الاستدلال على ما تقدم من ازدياد كفر المنافقين وتمكنه كلما نزلت سورة من القرآن بإيراد دليل واضح ينزل منزلة المحسوس المرئي حتى يتوجه الإنكار على من لا يراه. والفتنة: اختلال نظام الحالة المعتادة للناس واضطراب أمرهم، مثل الأمراض المنتشرة، والتقاتل، واستمرار الخوف. وقد تقدم ذكرها عند قوله: والفتنة أشد من القتل [البقرة: 191] وقوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة في سورة البقرة [193] . فمعنى أنهم يفتنون أن الله يسلط عليهم المصائب والمضار تنال جماعتهم مما لا يعتاد تكرر أمثاله في حياة الأمم بحيث يدل تكرر ذلك على أنه مراد منه إيقاظ الله الناس إلى سوء سيرتهم في جانب الله تعالى، بعدم اهتدائهم إلى الإقلاع عما هم فيه من العناد للنبيء صلى الله عليه وسلم فإنهم لو رزقوا التوفيق لأفاقوا من غفلتهم، فعلموا أن ما يحل بهم كل عام ما طرأ عليهم إلا من وقت تلبسهم بالنفاق. ولا شك أن الفتنة التي أشارت إليها الآية كانت خاصة بأهل النفاق من أمراض تحل بهم، أو متالف تصيب أموالهم، أو جوائح تصيب ثمارهم، أو نقص من أنفسهم ومواليدهم فإذا حصل شيئان من ذلك في السنة كانت الفتنة مرتين. وقرأ الجمهور أولا يرون بالمثناة التحتية. وقرأ حمزة ويعقوب أولا ترون بالمثناة الفوقية على أن الخطاب للمسلمين، فيكون من تنزيل الرائي منزلة غيره حتى ينكر عليه عدم رؤيته ما لا يخفى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٦٧) ↗