سورة التوبة · الآية ١٠٩
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه { وكفرا } أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. { وتفريقا بين المؤمنين } أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، { وإرصادا } أي: إعدادا { لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي: إعانة للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد { وليحلفن إن أردنا } في بنائنا إياه { إلا الحسنى } أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. { والله يشهد إنهم لكاذبون } فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم. { لا تقم فيه أبدا } أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فالله يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم } ظهر فيه الإسلام في " قباء " وهو مسجد " قباء " أسس على إخلاص الدين لله، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل { أحق أن تقوم فيه } وتتعبد، وتذكر الله تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم الله بقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } من الذنوب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… طرق، عن قتادة به (6) . ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث: " واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه " (7) يعني: القرآن. والمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج، وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وقد قال في الرواية الأخرى: " يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ". ومع هذا أمر بقتلهم لأنهم مراؤون في أعمالهم في نفس الأمر، وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك، إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} [التوبة: 109] ، وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد روايتهم، كما سيأتي [تفصيله] (8) في موضعه إن شاء الله.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٨٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه» على وجه ما لم يسم فاعله في الحرفين كليهما. وقرأت ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: " {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه} [التوبة: 109] «على وصف من بناء الفاعل الذي أسس بنيانه. وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب؛ غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى» من " إذ كان هو المؤسس أعجب إلي،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٩٤) ↗التحرير والتنوير
وفيه تعريض بأن أهل مسجد الضرار ليسوا كذلك. وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية فيه رجال يحبون أن يتطهروا فقال: «يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم؟ قالوا: إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: هو ذلك فعليكموه» ، فهذا يعم الأنصار كلهم. ولا يعارضه حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضا من الأنصار، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار. وأطلقت المحبة في قوله: يحبون كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئا ممكنا يعمله لا محالة. فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقربا إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خلقا لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم. وجملة: والله يحب المطهرين تذييل. وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقا يحبه الله تعالى. وكفى بذلك تنويها بزكاء أنفسهم. [109] 109] أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) تفريع على قوله: لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه [التوبة: 108] لزيادة بيان أحقية المسجد المؤسس على التقوى بالصلاة فيه. وبيان أن تفضيل ذلك المسجد في أنه حقيق بالصلاة فيه تفضيل مسلوب المشاركة لأن مسجد الضرار ليس حقيقا بالصلاة فيه بعد النهي، لأن صلاة النبيء صلى الله عليه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٣٣) ↗