البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ١٠٨

﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه { وكفرا } أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. { وتفريقا بين المؤمنين } أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، { وإرصادا } أي: إعدادا { لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي: إعانة للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد { وليحلفن إن أردنا } في بنائنا إياه { إلا الحسنى } أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. { والله يشهد إنهم لكاذبون } فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم. { لا تقم فيه أبدا } أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فالله يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم } ظهر فيه الإسلام في " قباء " وهو مسجد " قباء " أسس على إخلاص الدين لله، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل { أحق أن تقوم فيه } وتتعبد، وتذكر الله تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم الله بقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } من الذنوب، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا [وكفرا وتفريقا بين المؤمنين] } (5) وهم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر، ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب (6) أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله، عز وجل: {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} إلى {والله لا يهدي القوم الظالمين} . وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة وغير واحد من العلماء. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢١١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله. ثم أقسم جل ثناؤه فقال: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم} [التوبة: 108] أنت فيه. يعني بقوله: {أسس على التقوى} [التوبة: 108] ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته من أول يوم ابتدئ في بنائه {أحق أن تقوم فيه} [التوبة: 108] يقول: أولى أن تقوم فيه مصليا. وقيل: معنى قوله: {من أول يوم} [التوبة: 108] مبدأ أول يوم كما تقول العرب: لم أره من يوم كذا، بمعنى مبدؤه، ومن أول يوم يراد به من أول الأيام، كقول القائل: لقيت كل رجل، بمعنى كل الرجال واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه بقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} [التوبة: 108] فقال بعضهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه منبره وقبره اليوم. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن إبراهيم بن طهمان، عن عثمان بن PageEndV11P682 عبيد الله، قال: أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر أسأله عن المسجد الذي، أسس على التقوى، أي مسجد هو؟ مسجد المدينة، أو مسجد قباء؟ قال: «لا، مسجد المدينة»

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٨١) ↗

التحرير والتنوير

والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) هذا كلام على فريق آخر من المؤاخذين بأعمال عملوها غضب الله عليهم من أجلها، وهم فريق من المنافقين بنوا مسجدا حول قباء لغرض سيء لينصرف إخوانهم عن مسجد المؤمنين وينفردوا معهم بمسجد يخصهم. فالجملة مستأنفة ابتدائية على قراءة من قرأها غير مفتتحة بواو العطف، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. ونكتة الاستئناف هنا التنبيه على الاختلاف بين حال المراد بها وبين حال المراد بالجملة التي قبلها وهم المرجون لأمر الله. وقرأها البقية بواو العطف في أولها، فتكون معطوفة على التي قبلها لأنها مثلها في ذكر فريق آخر مثل من ذكر فيما قبلها. وعلى كلتا القراءتين فالكلام جملة إثر جملة وليس ما بعد الواو عطف مفرد. وقوله الذين مبتدأ وخبره جملة: لا تقم فيه أبدا كما قاله الكسائي. والرابط هو الضمير المجرور من قوله: لا تقم فيه لأن ذلك الضمير عائد إلى المسجد وهو مفعول صلة الموصول فهو سببي للمبتدأ، إذ التقدير: لا تقم في مسجد اتخذوه ضرارا، أو في مسجدهم، كما قدره الكسائي. ومن أعربوا أفمن أسس بنيانه [التوبة: 109] خبرا فقد بعدوا عن المعنى. والآية أشارت إلى قصة اتخاذ المنافقين مسجدا قرب مسجد قباء لقصد الضرار، وهم طائفة من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف من أهل العوالي. كانوا اثني عشر رجلا سماهم ابن عطية. وكان سبب بنائهم إياه أن أبا عامر

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٩) ↗