سورة التوبة · الآية ١١٠
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه { وكفرا } أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. { وتفريقا بين المؤمنين } أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، { وإرصادا } أي: إعدادا { لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي: إعانة للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد { وليحلفن إن أردنا } في بنائنا إياه { إلا الحسنى } أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. { والله يشهد إنهم لكاذبون } فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم. { لا تقم فيه أبدا } أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فالله يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم } ظهر فيه الإسلام في " قباء " وهو مسجد " قباء " أسس على إخلاص الدين لله، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل { أحق أن تقوم فيه } وتتعبد، وتذكر الله تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم الله بقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } من الذنوب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء (1) ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين، أو كلهم، والله أعلم. يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم {على شفا جرف هار} أي: طرف حفيرة مثاله {في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} أي: لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد النبي (2) صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج (3) ذكر لنا أن رجالا (4) حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه. وكذا قال قتادة. وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة. رواه ابن جرير (5) رحمه الله. وقوله: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} أي: شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفاقا في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حبه. وقوله: {إلا أن تقطع قلوبهم} أي: بموتهم. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسدي، وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف. {والله عليم} أي: بأعمال خلقه، {حكيم} في مجازاتهم عنها، من خير وشر. (6)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين. {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] يعني إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا، والله عليم بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار من شكهم في دينهم وما قصدوا في بنائهم وأرادوه وما إليه صائر أمرهم في الآخر وفي الحياة ما عاشوا، وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم، حكيم في تدبيره إياهم وتدبير جميع خلقه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} [التوبة: 110] يعني شكا {إلا أن PageEndV11P699 تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] يعني الموت " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {ريبة في قلوبهم} [التوبة: 110] قال: شكا في قلوبهم، {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] إلا أن يموتوا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] يقول: حتى يموتوا " حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله: " {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] قال: إلا أن يموتوا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] قال: يموتوا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن PageEndV11P700 مجاهد: " {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] قال: يموتوا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٩٩) ↗التحرير والتنوير
لأن غرض الباني دوام ما بناه. فهم لما بنوه لقصد التقوى ورضى الله تعالى ولم يذكر ما يقتضي خيبتهم فيه كما ذكر في مقابله علم أنهم قد اتقوا الله بذلك وأرضوه ففازوا بالجنة، كما دلت عليه المقابلة، وأن البنيان الثاني لم يحصل غرض بانيه وهو الضرار والتفريق فخابوا فيما قصدوه فلم يثبت المقصد، وكان عدم ثباته مفضيا بهم إلى النار كما يفضي البناء المنهار بساكنه إلى الهلاك. والشفا- بفتح الشين وبالقصر-: حرف البئر وحرف الحفرة. والجرف- بضمتين-: جانب الوادي وجانب الهوة. وهار: اسم مشتق من هار البناء إذا تصدع، فقيل: أصله هور بفتحتين كما قالوا خلف في خالف. وليست الألف التي بعد الهاء ألف فاعل بل هي عين الكلمة منقلبة عن الواو لأن الواو متحركة وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقيل هو اسم فاعل من هار البناء وأصل وزنه هاور، فوقع فيه قلب بين عينه ولامه تخفيفا. وقد وقع ذلك في ألفاظ كثيرة من اللغة مثل قولهم: شاكي السلاح، أصله شائك. ورجل صات عالي الصوت أصله صائت. ويدل لذلك قولهم: انهار ولم يقولوا انهرى. وهر مبالغة في هار. وقرأ نافع وابن عامر وحدهما فعل أسس في الموضعين بصيغة البناء للمفعول ورفع بنيانه في الموضعين. وقرأها الباقون بالبناء للفاعل ونصب بنيانه في الموضعين. وقرأ الجمهور جرف- بضم الراء- وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم وخلف- بسكون الراء-. وجملة: والله لا يهدي القوم الظالمين تذييل، وهو عام يشمل هؤلاء الظالمين الذين بنوا مسجد الضرار وغيرهم. [110] 110] لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) جملة: لا يزال بنيانهم يجوز أن تكون مستأنفة لتعداد مساوي مسجد الضرار بذكر سوء عواقبه بعد أن ذكر سوء الباعث عليه وبعد أن ذكر سوء وقعه في الإسلام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٣٥) ↗