سورة التوبة · الآية ١٠٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أما علموا سعة رحمة الله وعموم كرمه وأنه { يقبل التوبة عن عباده } التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده إذا تاب أعظم فرح يقدر. { ويأخذ الصدقات } منهم، أي: يقبلها ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك. { وأن الله هو التواب } أي: كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه تاب عليه، ولو تكررت منه [المعصية] مرارا. ولا يمل الله من التوبة على عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم عدوهم. { الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٠٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في "أموالهم" إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؛ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا برسول الله (1) صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا احتجوا بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عقالا -وفي رواية: عناقا -يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه. (2) وقوله: {وصل عليهم} أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (3) وفي الحديث الآخر: أن امرأة قالت: يا رسول الله، صل علي وعلى زوجي. فقال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك". (4) وقوله: {إن صلاتك} : قرأ بعضهم: "صلواتك" على الجمع، وآخرون قرءوا: {إن صلاتك} على الإفراد. {سكن لهم} قال ابن عباس: رحمة لهم. وقال قتادة: وقار. وقوله: {والله سميع} أي: لدعائك {عليم} أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة، عن أبيه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته، وأصابت ولده، وولد ولده. (5) ثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة -قال مسعر:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٠٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… قال العوام بن حوشب هو قتادة، أو ابن قتادة رجل من محارب - قال سمعت عبد الله بن السائب، وكان جاره، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: " ما من عبد تصدق بصدقة إلا وقعت في يد الله، فيكون هو الذي يضعها في يد السائل. وتلا هذه الآية: {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة المحاربي، عن عبد الله بن مسعود قال: " ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، وهو يضعها في يد السائل. ثم قرأ: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده، ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن PageEndV11P666 السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن ابن مسعود، بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: قال عبد الله: " إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية: {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عباد بن منصور، عن القاسم، أنه سمع أبا هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كم يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله: {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] و {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276] " حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع الرقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم، عن أبي هريرة، ولا أراه إلا قد رفعه، قال: «إن الله يقبل الصدقة» ، ثم ذكر نحوه حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
63] ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63) هذه الجملة تتنزل من جملة والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] منزلة التعليل، لأن العاقل لا يرضى لنفسه عملا يؤول به إلى مثل هذا العذاب، فلا يقدم على ذلك إلا من لا يعلم أن من يحادد الله ورسوله يصير إلى هذا المصير السيء. والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع، لأن عدم علمهم بذلك محقق بضرورة أنهم كافرون بالرسول، وبأن رضى الله عند رضاه ولكن لما كان عدم علمهم بذلك غريبا لوجود الدلائل المقتضية أنه مما يحق أن يعلموه، كان حال عدم العلم به حالا منكرا. وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهم، كقوله في هذه السورة: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده [التوبة: 104] وقوله: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم [التوبة: 78] وقول مويال بن جهم المذحجي، أو مبشر بن هذيل الفزاري: ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل فكأنه قيل: فليعلموا أنه من يحادد الله إلخ. والضمير المنصوب ب أنه ضمير الشأن، وفسر الضمير بجملة من يحادد الله إلى آخرها. والمعنى: ألم يعلموا شأنا عظيما هو من يحادد الله ورسوله له نار جهنم. وفك الدالان من يحادد ولم يدغما لأنه وقع مجزوما فجاز فيه الفك والإدغام، والفك أشهر وأكثر في القرآن، وهو لغة أهل الحجاز، وقد ورد فيه الإدغام نحو قوله: ومن يشاق الله في سورة الحشر [4] في قراءة جميع العشرة وهو لغة تميم. والمحادة: المعاداة والمخالفة. والفاء في فأن له نار جهنم لربط جواب شرط من.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٤٦) ↗