سورة التوبة · الآية ١٠٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وآخرون } ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، { اعترفوا بذنوبهم } أي: أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها. { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء بأن يغفر الله لهم، فهؤلاء { عسى الله أن يتوب عليهم } وتوبته على عبده نوعان: الأول: التوفيق للتوبة. والثاني: قبولها بعد وقوعها منهم. { إن الله غفور رحيم } أي: وصفه المغفرة والرحمة، اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا [فاطر: 41]. ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية دلت على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب. وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف. قال تعالى لرسوله ومن قام مقامه، آمرا له بما يطهر المؤمنين، ويتمم إيمانهم: { خذ من أموالهم صدقة } وهي الزكاة المفروضة، { تطهرهم وتزكيهم بها } أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة. { وتزكيهم } أي: تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة، وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم. { وصل عليهم } أي: ادع لهم، أي: للمؤمنين عموما، وخصوصا عندما يدفعون إليك زكاة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها، والآخر السيئ هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج غازيا، وتركهم الجهاد مع المسلمين. فإن قال قائل: وكيف قيل: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحا بآخر سيئ؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول: استوى الماء والخشبة؛ أي بالخشبة، وخلطت الماء واللبن. وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم: استوى الماء والخشبة. واعتل في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم: استوى الماء والخشبة، وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك الخلط. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم: خلطت
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٥٠) ↗التحرير والتنوير
102] وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) الأظهر أن جملة: وآخرون اعترفوا عطف على جملة: وممن حولكم [التوبة: 101] ، أي وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة آخرون أذنبوا بالتخلف فاعترفوا اعترفوا بذنوبهم بذنوبهم بالتقصير. فقوله: إيجاز لأنه يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا منافقين لأن التعبير بالذنوب بصيغة الجمع يقتضي أنها أعمال سيئة في حالة الإيمان، وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيئ. وكان من هؤلاء جماعة منهم الجد بن قيس، وكردم، وأرس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، ومرداس، وأبو قيس، وأبو لبابة في عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في التخلف عن غزوة تبوك وتابوا إلى الله وربطوا أنفسهم في سواري المسجد النبوي أياما حتى نزلت هذه الآية في توبة الله عليهم. والاعتراف: افتعال من عرف. وهو للمبالغة في المعرفة، ولذلك صار بمعنى الإقرار بالشيء وترك إنكاره، فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه، لأن الإقرار بالذنب الفائت إنما يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه، ولا يتصور فيه الإقلاع الذي هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى، ولكن يشترط فيه العزم على أن لا يعود. وخلطهم العمل الصالح والسيء هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الإنفاق على الجيش. وقوله: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا جاء ذكر الشيئين المختلطين بالعطف بالواو على اعتبار استوائهما في وقوع فعل الخلط عليهما. ويقال: خلط كذا بكذا على اعتبار أحد الشيئين المختلطين متلابسين بالخلط، والتركيبان متساويان في المعنى، ولكن العطف بالواو أوضح وأحسن فهو أفصح.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢١) ↗