سورة التوبة · الآية ١٠١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منفقون ومن أهل المدينة } أيضا منافقون { مردوا على النفاق } أي: تمرنوا عليه، واستمروا وازدادوا فيه طغيانا. { لا تعلمهم } بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما لله في ذلك من الحكمة الباهرة. { نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين } يحتمل أن التثنية على بابها، وأن عذابهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة. ففي الدنيا ما ينالهم من الهم والحزن، والكراهة لما يصيب المؤمنين من الفتح والنصر، وفي الآخرة عذاب النار وبئس القرار. ويحتمل أن المراد سنغلظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ونكرره.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٠١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين، وفي أهل المدينة أيضا منافقون {مردوا على النفاق} أي: مرنوا واستمروا عليه: ومنه يقال: شيطان مريد ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي: عتا وتجبر. وقوله: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} لا ينافي قوله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} الآية [محمد:30] ؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين. وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، عن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال: لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب وأصغى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال: "إن في أصحابي منافقين" (1) ومعناه: أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم. وتقدم في تفسير قوله: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة:74] أنه عليه السلام (2) أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم، والله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "أبي عمر البيروتي" من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا بن جابر، حدثني شيخ بيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي الدرداء؛ أن رجلا يقال له "حرملة" أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الإيمان هاهنا -وأشار بيده إلى لسانه -والنفاق هاهنا -وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله إلا قليلا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي، وحب من يحبني، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} [التوبة: 101] قال: أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} [التوبة: 101] أي لجوا فيه وأبوا غيره. {لا تعلمهم} [التوبة: 101] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم يا محمد أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، ولكنا نحن نعلمهم " كما حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، PageEndV11P644 في قوله: " {وممن حولكم من الأعراب منافقون} [التوبة: 101] إلى قوله: {نحن نعلمهم} [التوبة: 101] قال: فما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلكم قال نبي الله نوح عليه السلام: {وما علمي بما كانوا يعملون} [الشعراء: 112] ، وقال نبي الله شعيب عليه السلام: {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} [هود: 86] ، وقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101] " وقوله: {سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] يقول: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين: إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا ما هي؛ فقال بعضهم: هي فضيحتهم فضحهم الله بكشف أمورهم وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثنا أبي قال، ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، في قول الله: " {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} [التوبة: 101] . . إلى قوله: {عذاب عظيم} [البقرة: 7] قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
ومخالطتهم، وأكثر ما كان ذلك في أهل المدينة لأنهم الذين كان معظمهم مؤمنين خلصا، وكانت من بينهم بقية من المنافقين وهم من ذوي قرابتهم، ولذلك افتتح الخطاب يا أيها الذين آمنوا إشعارا بأن ما سيلقى إليهم من الوصايا هو من مقتضيات الإيمان وشعاره. وقد أسفرت غزوة تبوك التي نزلت عقبها هذه السورة عن بقاء بقية من النفاق في أهل المدينة والأعراب المجاورين لها كما في قوله تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم [التوبة: 90]- وقوله- وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق [التوبة: 101] ونظائرهما من الآيات. روى الطبري عن مجاهد، والواحدي عن الكلبي أنهم لما أمروا بالهجرة وقال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا حاجب الكعبة، فلا نهاجر، تعلق بعض الأزواج والأبناء ببعض المؤمنين فقالوا «أتضيعوننا» فرقوا لهم وجلسوا معهم، فنزلت هذه الآية. ومعنى استحبوا الكفر أحبوه حبا متمكنا. فالسين والتاء للتأكيد، مثل ما في استقام واستبشر. حذر الله المؤمنين من موالاة من استحبوا الكفر على الإيمان، في ظاهر أمرهم أو باطنه، إذا اطلعوا عليهم وبدت عليهم أمارات ذلك بما ذكر من صفاتهم في هذه السورة، وجعل التحذير من أولئك بخصوص كونهم آباء وإخوانا تنبيها على أقصى الجدارة بالولاية ليعلم بفحوى الخطاب أن من دونهم أولى بحكم النهي. ولم يذكر الأبناء والأزواج هنا لأنهم تابعون فلا يقعدون بعد متبوعيهم. وقوله: فأولئك هم الظالمون أريد به الظالمون أنفسهم لأنهم وقعوا فيما نهاهم الله، فاستحقوا العقاب فظلموا أنفسهم بتسبب العذاب لها، فالظلم إذن بمعناه اللغوي وليس مرادا به الشرك. وصيغة الحصر للمبالغة بمعنى أن ظلم غيرهم كلا ظلم بالنسبة لعظمة ظلمهم. ويجوز أن يكون هم الظالمون عائدا إلى ما عاد إليه ضمير النصب في قوله: ومن يتولهم أي إلى الآباء والإخوان الذين استحبوا الكفر على الإيمان،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٥١) ↗