سورة الأنفال · الآية ٦٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: 104]. { إن يكن منكم } أيها المؤمنون { عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار، وذلك بأن الكفار { قوم لا يفقهون } أي: لا علم عندهم بما أعد الله للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون لأجل العلو في الأرض والفساد فيها، وأنتم تفقهون المقصود من القتال، أنه لإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، والذب عن كتاب الله، وحصول الفوز الأكبر عند الله، وهذه كلها دواع للشجاعة والصبر والإقدام على القتال. ثم إن هذا الحكم خففه الله على العباد، فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف، { فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } بعونه وتأييده. وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتن عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية. ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن الله أمر المؤمنين - في أول الأمر - أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة، والعشرة من المائة، والمائة من الألف. ثم إن الله خفف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار، ولكن يرد على هذا أمران: أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد روي عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير: أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب، وكمل به الأربعون. وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم. ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} كل واحد بعشرة (1) ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخريت (2) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله: {يغلبوا مائتين} قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وروى البخاري من حديث ابن المبارك، نحوه (3) وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم ألا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين. وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به ونحوه (4) وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم (5) لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. وروى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس، نحو ذلك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو ذلك. وروى الحافظ أبو بكر بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} [الأنفال: 65] حث متبعيك ومصدقيك على ما جئتهم به من الحق على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين. {إن يكن منكم عشرون} [الأنفال: 65] رجلا {صابرون} [الأنفال: 65] عند لقاء العدو، يحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم {يغلبوا مائتين} من عدوهم ويقهروهم. {وإن يكن منكم مائة} عند ذلك {يغلبوا} [الأنفال: 65] منهم {ألفا} [الأنفال: 65] . {بأنهم قوم لا يفقهون} [الأنفال: 65] يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب ولا لطلب أجر ولا احتساب؛ لأنهم لم يفقهوا أن الله موجب لمن قاتل احتسابا وطلب موعود الله في المعاد ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء خشية أن يقتلوا فتذهب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٦١) ↗التحرير والتنوير
وعن النقاش نزلت هذه الآية بالبيداء في بدر، قبل ابتداء القتال، فيكون نزولها متقدما على أول السورة ثم جعلت في هذا الموضع من السورة. والتناسب بينها وبين الآية التي بعدها ظاهر مع اتفاقهم على أن الآية التي بعدها نزلت مع تمام السورة فهي تمهيد لأمر المؤمنين بالقتال ليحققوا كفايتهم الرسول. [65] 65] يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) أعيد نداء النبيء صلى الله عليه وسلم للتنويه بشأن الكلام الوارد بعد النداء وهذا الكلام في معنى المقصد بالنسبة للجملة التي قبله، لأنه لما تكفل الله له الكفاية، وعطف المؤمنين في إسناد الكفاية إليهم، احتيج إلى بيان كيفية كفايتهم، وتلك هي الكفاية بالذب عن الحوزة وقتال أعداء الله، فالتعريف في القتال للعهد، وهو القتال الذي يعرفونه، أعني: قتال أعداء الدين. والتحريض: المبالغة في الطلب. ولما كان عموم الجنس الذي دل عليه تعريف القتال يقتضي عموم الأحوال باعتبار المقاتلين- بفتح التاء- وكان في ذلك إجمال من الأحوال، وقد يكون العدو كثيرين ويكون المؤمنون أقل منهم، بين هذا الإجمال بقوله: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين الآية. وضمير منكم خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. وفصلت جملة إن يكن منكم عشرون صابرون لأنها لما جعلت بيانا لإجمال كانت مستأنفة استئنافا بيانيا، لأن الإجمال من شأنه أن يثير سؤال سائل عما يعمل إذا كان عدد العدو كثيرا، فقد صار المعنى: حرض المؤمنين على القتال بهذه الكيفية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٦٦) ↗