سورة الأنفال · الآية ٦٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: 104]. { إن يكن منكم } أيها المؤمنون { عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار، وذلك بأن الكفار { قوم لا يفقهون } أي: لا علم عندهم بما أعد الله للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون لأجل العلو في الأرض والفساد فيها، وأنتم تفقهون المقصود من القتال، أنه لإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، والذب عن كتاب الله، وحصول الفوز الأكبر عند الله، وهذه كلها دواع للشجاعة والصبر والإقدام على القتال. ثم إن هذا الحكم خففه الله على العباد، فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف، { فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } بعونه وتأييده. وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتن عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية. ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن الله أمر المؤمنين - في أول الأمر - أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة، والعشرة من المائة، والمائة من الألف. ثم إن الله خفف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار، ولكن يرد على هذا أمران: أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخريت (2) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله: {يغلبوا مائتين} قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وروى البخاري من حديث ابن المبارك، نحوه (3) وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم ألا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين. وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به ونحوه (4) وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم (5) لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. وروى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس، نحو ذلك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو ذلك. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} قال: نزلت فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٨٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} [الأنفال: 65] حث متبعيك ومصدقيك على ما جئتهم به من الحق على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين. {إن يكن منكم عشرون} [الأنفال: 65] رجلا {صابرون} [الأنفال: 65] عند لقاء العدو، يحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم {يغلبوا مائتين} من عدوهم ويقهروهم. {وإن يكن منكم مائة} عند ذلك {يغلبوا} [الأنفال: 65] منهم {ألفا} [الأنفال: 65] . {بأنهم قوم لا يفقهون} [الأنفال: 65] يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب ولا لطلب أجر ولا احتساب؛ لأنهم لم يفقهوا أن الله موجب لمن قاتل احتسابا وطلب موعود الله في المعاد ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء خشية أن يقتلوا فتذهب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٦١) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور إن يكن- بالتاء المثناة الفوقية- نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، وذلك الأصل، لمراعاة تأنيث لفظ مائة. وقرأها الباقون بالمثناة التحتية، لأن التأنيث غير حقيقي، فيجوز في فعله الاقتران بتاء التأنيث وعدمه، لا سيما وقد وقع الفصل بين فعله وبينه. والفصل مسوغ لإجراء الفعل على صيغة التذكير. [66] الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) هذه الآية نزلت بعد نزول الآية التي قبلها بمدة. قال في «الكشاف» : «وذلك بعد مدة طويلة» . ولعله بعد نزول جميع سورة الأنفال، ولعلها وضعت في هذا الموضع لأنها نزلت مفردة غير متصلة بآيات سورة أخرى، فجعل لها هذا الموضع لأنه أنسب بها لتكون متصلة بالآية التي نسخت هي حكمها، ولم أر من عين زمن نزولها. ولا شك أنه كان قبل فتح مكة فهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا محضا لأنها آية مستقلة. والآن اسم ظرف للزمان الحاضر. قيل: أصله أوان بمعنى زمان، ولما أريد تعيينه للزمان الحاضر لازمته لام التعريف بمعنى العهد الحضوري، فصار مع اللام كلمة واحدة ولزمه النصب على الظرفية. وروى الطبري عن ابن عباس: «كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي أن يفر منهم، وكانوا كذلك حتى أنزل الله الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا» الآية، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فهذا حكم وجوب نسخ بالتخفيف الآتي، قال ابن عطية: وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه ثم حط ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين. وروي هذا عن ابن عباس أيضا. قلت: وكلام ابن عباس المروي عند ابن جرير مناف لهذا القول.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٦٩) ↗