سورة الأنفال · الآية ٦٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وإن جنحوا } أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا { للسلم } أي: الصلح وترك القتال. { فاجنح لها وتوكل على الله } أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة. منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجماما لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له، فصار هذا السلم عونا للمسلمين على الكافرين، ولا يخاف من السلم إلا خصلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين، وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنه حسبهم وكافيهم خداعهم، وأن ذلك يعود عليهم ضرره، فقال: { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله } أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهماتك، فقد سبق [لك] من كفايته لك ونصره ما يطمئن به قلبك. فل { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } أي: أعانك بمعونة سماوية، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيضهم لنصرك. { وألف بين قلوبهم } فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة { مآ ألفت بين قلوبهم } لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. { ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة كما قال تعالى: واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد روي عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير: أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب، وكمل به الأربعون. وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم. ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} كل واحد بعشرة (1) ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخريت (2) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله: {يغلبوا مائتين} قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وروى البخاري من حديث ابن المبارك، نحوه (3) وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم ألا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين. وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به ونحوه (4) وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم (5) لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. وروى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس، نحو ذلك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو ذلك. وروى الحافظ أبو بكر بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٥٩) ↗التحرير والتنوير
[64] 64] يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) استئناف ابتدائي بالإقبال على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأوامر وتعاليم عظيمة، مهد لقبولها وتسهيلها بما مضى من التذكير بعجيب صنع الله والامتنان بعنايته برسوله والمؤمنين، وإظهار أن النجاح والخير في طاعته وطاعة الله، من أول السورة إلى هنا، فموقع هذه الآية بعد التي قبلها كامل الاتساق والانتظام، فإنه لما أخبره بأنه حسبه وكافيه، وبين ذلك بأنه أيده بنصره فيما مضى وبالمؤمنين، فقد صار للمؤمنين حظ في كفاية الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فلا جرم أنتج ذلك أن حسبه الله والمؤمنون، فكانت جملة: يا أيها النبيء حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين كالفذلكة للجملة التي قبلها. وتخصيص النبيء بهذه الكفاية لتشريف مقامه بأن الله يكفي الأمة لأجله. والقول في وقوع «حسب» مسندا إليه هنا كالقول في قوله آنفا فإن حسبك الله [الأنفال: 62] . وفي عطف المؤمنين «على اسم الجلالة هنا: تنويه بشأن كفاية الله النبيء صلى الله عليه وسلم بهم، إلا أن الكفاية مختلفة وهذا من عموم المشترك لا من إطلاق المشترك على معنيين، فهو كقوله: إن الله وملائكته يصلون على النبي. وقيل يجعل ومن اتبعك مفعولا معه لقوله: حسبك بناء على قول البصريين أنه لا يعطف على الضمير المجرور اسم ظاهر، أو يجعل معطوفا على رأي الكوفيين المجوزين لمثل هذا العطف. وعلى هذا التقدير يكون التنويه بالمؤمنين في جعلهم مع النبيء صلى الله عليه وسلم في هذا التشريف، والتفسير الأول أولى وأرشق. وقد روي عن ابن عباس: أن قوله: يا أيها النبيء حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب. فتكون مكية، وبقيت مقروءة غير مندرجة في سورة، ثم وقعت في هذا الموضع بإذن من النبيء صلى الله عليه وسلم لكونه أنسب لها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٦٥) ↗