سورة الأنفال · الآية ٥٩
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لا يحسب الكافرون بربهم المكذبون بآياته، أنهم سبقوا الله وفاتوه، فإنهم لا يعجزونه، والله لهم بالمرصاد. وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانهم، وتزودهم من طاعته ومراضيه، ما يصلون به المنازل العالية، واتصافهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها، فلهذا قال لعباده المؤمنين: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنفال ٥٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج -أو: روضة -فما أصابت في طيلها ذلك من المرج -أو: الروضة -كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك حسنات له؛ فهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر". وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: "ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7، 8] . رواه البخاري -وهذا لفظه -ومسلم، كلاهما من حديث مالك (1) وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الركين بن الربيع (2) عن القاسم بن حسان؛ عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله، وذكر ما شاء الله. وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من فقر" (3) وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وهشام (4) قالا حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة: أن معاوية بن حديج (5) مر على أبي ذر، وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته! قال: وما دعاء بهيمة من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ففاتونا بأنفسهم. ثم ابتدئ الخبر عن قدرة الله عليهم، فقيل: إن هؤلاء الكفرة لا يعجزون ربهم إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم بأنفسهم فيفوتوه بها. وقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة: {ولا يحسبن الذين كفروا} [آل عمران: 178] بالياء في يحسبن، وكسر الألف من إنهم، وهي قراءة غير حميدة لمعنيين: أحدهما خروجهما من قراءة القراء وشذوذها عنها، والآخر بعدها من فصيح كلام العرب، وذلك أن يحسب يطلب في كلام العرب منصوبا وخبره، كقوله: عبد الله يحسب أخاك قائما ويقوم وقام، فقارئ هذه القراءة أصحب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٤١) ↗التحرير والتنوير
ومفعول (انبذ) محذوف بقرينة ما تقدم من قوله: ثم ينقضون عهدهم [الأنفال: 56] وقوله: وإما تخافن من قوم خيانة أي انبذ عهدهم. وعدي «انبذ» ب (إلى) لتضمينه معنى اردد إليهم عهدهم، وقد فهم من ذلك لا يستمر على عهدهم لئلا يقع في كيدهم وأنه لا يخونهم لأن أمره ينبذ عهده معهم ليستلزم أنه لا يخونهم. وجملة: إن الله لا يحب الخائنين تذييل لما اقتضته جملة: وإما تخافن من قوم خيانة إلخ تصريحا واستلزاما. والمعنى: لأن الله لا يحبهم، لأنهم متصفون بالخيانة فلا تستمر على عهدهم فتكون معاهدا لمن لا يحبهم الله ولأن الله لا يحب أن تكون أنت من الخائنين كما قال تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما في سورة النساء [107] . وذكر القرطبي عن النحاس أنه قال: «هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه» . قلت: وموقع (إن) فيه موقع التعليل للأمر برد عهدهم ونبذه إليهم فهي مغنية غناء فاء التفريع كما قال عبد القاهر، وتقدم في غير موضع وهذا من نكت الإعجاز. [59] 59] ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) تسلية النبيء صلى الله عليه وسلم على ما بدأه به أعداؤه من الخيانة مثل ما فعلت قريظة، وما فعل عبد الله بن أبي سلول وغيرهم من فلول المشركين الذين نجوا يوم بدر، وطمأنة له وللمسلمين بأنهم سيدالون منهم، ويأتون على بقيتهم، وتهديد للعدو بأن الله سيمكن منهم المسلمين. والسبق مستعار للنجاة ممن يطلب، والتلفت من سلطته. شبه المتخلص من طالبه بالسابق كقوله تعالى: أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا [العنكبوت: 4] وقال بعض بني فقعس: كأنك لم تسبق من الدهر مرة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٥٣) ↗