سورة القيامة · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ليست " لا " [ها] هنا نافية، [ولا زائدة] وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح. فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم، { ولا أقسم بالنفس اللوامة } وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت " لوامة " لكثرة ترددها وتلومها، وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء. ثم أخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى: من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78]؟ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله: { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما [وقع] ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد. ثم ذكر أحوال القيامة فقال: { فإذا برق البصر * وخسف... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال سعيد بن جبير والعوفي، عن ابن عباس: أن نجعله (3) خفا أو حافرا. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا. والظاهر من الآية أن قوله: {قادرين} حال من قوله: {نجمع} أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه-مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج. وقوله: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قدما. وقال العوفي، عن ابن عباس: {ليفجر أمامه} يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة. وقال مجاهد {ليفجر أمامه} ليمضي أمامه راكبا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما، إلا من عصمه الله. وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده {يسأل أيان يوم القيامة} ؟ أي: يقول متى يكون يوم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولكنه يريد أن يمضي أمامه قدما في معاصي الله، لا يثنيه عنها شيء، ولا يتوب منها أبدا، ويسوف التوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٧٤) ↗التحرير والتنوير
والتسوية: تقويم الشيء وإتقان الخلق قال تعالى: ونفس وما سواها [الشمس: 7] وقال في هذه السورة: فخلق فسوى [القيامة: 38] . وأريد بالتسوية إعادة خلق البنان مقومة متقنة، فالتسوية كناية عن الخلق لأنها تستلزمه فإنه ما سوي إلا وقد أعيد خلقه قال تعالى: الذي خلق فسوى [الأعلى: 2] . والبنان: أصابع اليدين والرجلين أو أطراف تلك الأصابع. وهو اسم جمع بنانة. وإذ كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن تسوية جميع الجسد لظهور أن تسوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها كما تقول: قلعت الريح أوتاد الخيمة كناية عن قلعها الخيمة كلها فإنه قد يكنى بأطراف الشيء عن جميعه. ومنه قولهم: لك هذا الشيء بأسره، أي مع الحبل الذي يشد به، كناية عن جميع الشيء. وكذلك قولهم: هو لك برمته، أي بحبله الذي يشد به. [5] 5] بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) بل إضراب انتقالي إلى ذكر حال آخر من أحوال فجورهم، فموقع الجملة بعد بل بمنزلة الاستئناف الابتدائي للمناسبة بين معنى الجملتين، أي لما دعوا إلى الإقلاع عن الإشراك وما يستدعيه من الآثام وأنذروا بالعقاب عليه يوم القيامة كانوا مصممين على الاسترسال في الكفر. والفجور: فعل السوء الشديد ويطلق على الكذب، ومنه وصفت اليمين الكاذبة بالفاجرة، فيكون فجر بمعنى كذب وزنا ومعنى، فيكون قاصرا ومتعديا مثل فعل كذب مخفف الذال. روي عن ابن عباس أنه قال: يعني الكافر يكذب بما أمامه. وعن ابن قتيبة: أن أعرابيا سأل عمر بن الخطاب أن يحمله على راحلة وشكا دبر راحلته فاتهمه عمر فقال الأعرابي: ما مسها من نقب ولا دبر ... أقسم بالله أبو حفص عمر فاغفر له اللهم إن كان فجر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٤١) ↗