سورة القيامة · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ليست " لا " [ها] هنا نافية، [ولا زائدة] وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح. فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم، { ولا أقسم بالنفس اللوامة } وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت " لوامة " لكثرة ترددها وتلومها، وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء. ثم أخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى: من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78]؟ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله: { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما [وقع] ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد. ثم ذكر أحوال القيامة فقال: { فإذا برق البصر * وخسف... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بن جبير في: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: تلوم على الخير والشر. ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك: فقال: هي النفس اللؤوم. (2) وقال علي ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اللوامة: المذمومة. وقال قتادة: {اللوامة} الفاجرة. قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، الأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات. وقوله: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال سعيد بن جبير والعوفي، عن ابن عباس: أن نجعله (3) خفا أو حافرا. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا. والظاهر من الآية أن قوله: {قادرين} حال من قوله: {نجمع} أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه-مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج. وقوله: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قدما. وقال العوفي، عن ابن عباس: {ليفجر أمامه} يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة. وقال مجاهد {ليفجر أمامه} ليمضي أمامه راكبا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما، إلا من عصمه الله. وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده {يسأل أيان يوم القيامة} ؟ أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والأعرج، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك: {لأقسم بيوم القيامة} بمعنى: أقسم بيوم القيامة، ثم أدخلت عليها لام القسم. والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع لا مفصولة، أقسم مبتدأة على ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليه. وقد اختلف الذين قرءوا ذلك على الوجه الذي اخترنا قراءته في تأويله، فقال بعضهم: لا صلة، وإنما معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٦٥) ↗التحرير والتنوير
ولما كان تكوينه علقة هو مبدأ خلق الجسم عطف عليه قوله: فخلق بالفاء، لأن العلقة يعقبها أن تصير مضغة إلى أن يتم خلق الجسد وتنفخ فيه الروح. وضمير فخلق عائد إلى ربك [القيامة: 30] . وكذلك عطف فسوى بالفاء. والتسوية: جعل الشيء سواء، أي معدلا مقوما قال تعالى: فسواهن سبع سماوات [البقرة: 29] وقال: الذي خلق فسوى [الأعلى: 2] ، أي فجعله جسدا من عظم ولحم. ومفعول (خلق) ومفعول (سوى) محذوفان لدلالة الكلام عليهما، أي فخلقه فسواه. وعقب ذلك بخلقه ذكرا أو أنثى زوجين ومنهما يكون التناسل أيضا. وقرأ الجمهور تمنى بالفوقية على أنه وصف ل نطفة. وقرأه حفص ويعقوب بالتحتية على أنه وصف مني. وجملة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى واقعة موقع النتيجة من الدليل لأن خلق جسم الإنسان من عدم وهو أمر ثابت بضرورة المشاهدة، أحق بالاستبعاد من إعادة الحياة إلى الجسم بعد الموت سواء بقي الجسم غير ناقص أو نقص بعضه أو معظمه فهو إلى بث الحياة فيه وإعادة ما فني من أجزائه أقرب من إيجاد الجسم من عدم. والاستفهام إنكار للمنفي إنكار تقرير بالإثبات وهذا غالب استعمال الاستفهام التقريري أن يقع على نفي ما يراد إثباته ليكون ذلك كالتوسعة على المقرر إن أراد إنكارا كناية عن ثقة المتكلم بأن المخاطب لا يستطيع الإنكار. وقد جاء في هذا الختام بمحسن رد العجز على الصدر، فإن السورة افتتحت بإنكار أن يحسب المشركون استحالة البعث، وتسلسل الكلام في ذلك بأفانين من الإثبات والتهديد والتشريط والاستدلال، إلى أن أفضى إلى استنتاج أن الله قادر على أن يحيي الموتى وهو المطلوب الذي قدم في قوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه [القيامة: 3، 4] . وتعميم الموتى في قوله: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى بعد جريان أسلوب الكلام على خصوص الإنسان الكافر أو خصوص كافر معين، يجعل جملة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى تذييلا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٦٨) ↗