سورة القيامة · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ليست " لا " [ها] هنا نافية، [ولا زائدة] وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح. فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم، { ولا أقسم بالنفس اللوامة } وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت " لوامة " لكثرة ترددها وتلومها، وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء. ثم أخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى: من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78]؟ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله: { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما [وقع] ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد. ثم ذكر أحوال القيامة فقال: { فإذا برق البصر * وخسف... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قدما. وقال العوفي، عن ابن عباس: {ليفجر أمامه} يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة. وقال مجاهد {ليفجر أمامه} ليمضي أمامه راكبا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما، إلا من عصمه الله. وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده {يسأل أيان يوم القيامة} ؟ أي: يقول متى يكون يوم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولكنه يريد أن يمضي أمامه قدما في معاصي الله، لا يثنيه عنها شيء، ولا يتوب منها أبدا، ويسوف التوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٧٤) ↗التحرير والتنوير
وتقدم في قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق في سورة القلم [42] . فمعنى والتفت الساق بالساق طرأت مصيبة على مصيبة. والخطاب في قوله: إلى ربك التفات عن طريق خطاب الجماعة في قوله: بل تحبون العاجلة [القيامة: 20] لأنه لما كان خطابا لغير معين حسن التفنن فيه. والتعريف في المساق تعريف الجنس الذي يعم الناس كلهم بما فيهم الإنسان الكافر المردود عليه. ولك أن تعبر عن اللام بأنها عوض عن المضاف إليه، أي مساق الإنسان الذي يسأل: أيان يوم القيامة [القيامة: 6] . والمساق: مصدر ميمي ل (ساق) ، وهو تسيير ماش أمام مسيره إلى حيث يريد مسيره، وضده القود، وهو هنا مجاز مستعمل في معنى الإحضار والإيصال إلى حيث يلقى جزاء ربه. وسلك في الجمل التي بعد إذا مسلك الإطناب لتهويل حالة الاحتضار على الكافر وفي ذلك إيماء إلى أن الكافر يتراءى له مصيره في حالة احتضاره وقد دل عليه حديث عبادة بن الصامت في «الصحيح» عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا نكره الموت. قال: ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» . [31- 35] فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) تفريع على قوله: يسئل أيان يوم القيامة [القيامة: 6] . فالضمير عائد إلى الإنسان في قوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه [القيامة: 3] أي لجهله البعث لم يستعد له.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٦٠) ↗