سورة القيامة · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ليست " لا " [ها] هنا نافية، [ولا زائدة] وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح. فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم، { ولا أقسم بالنفس اللوامة } وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت " لوامة " لكثرة ترددها وتلومها، وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء. ثم أخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى: من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78]؟ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله: { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما [وقع] ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد. ثم ذكر أحوال القيامة فقال: { فإذا برق البصر * وخسف... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… (1) وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير في: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: تلوم على الخير والشر. ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك: فقال: هي النفس اللؤوم. (2) وقال علي ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اللوامة: المذمومة. وقال قتادة: {اللوامة} الفاجرة. قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، الأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات. وقوله: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال سعيد بن جبير والعوفي، عن ابن عباس: أن نجعله (3) خفا أو حافرا. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا. والظاهر من الآية أن قوله: {قادرين} حال من قوله: {نجمع} أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه-مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج. وقوله: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قدما. وقال العوفي، عن ابن عباس: {ليفجر أمامه} يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة. وقال مجاهد {ليفجر أمامه} ليمضي أمامه راكبا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما، إلا من عصمه الله. وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والأعرج، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك: {لأقسم بيوم القيامة} بمعنى: أقسم بيوم القيامة، ثم أدخلت عليها لام القسم. والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع لا مفصولة، أقسم مبتدأة على ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليه. وقد اختلف الذين قرءوا ذلك على الوجه الذي اخترنا قراءته في تأويله، فقال بعضهم: لا صلة، وإنما معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٦٥) ↗التحرير والتنوير
كما تقدم عند قوله تعالى: حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا في سورة الزخرف [1- 3] . وصيغة لا أقسم صيغة قسم، أدخل حرف النفي على فعل أقسم لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول: لا أقسم به، أي ولا أقسم بأعز منه عندي، وذلك كناية عن تأكيد القسم وتقدم عند قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم في سورة الواقعة [75] . وفيه محسن بديعي من قبيل ما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم. وهذا لم نذكره فيما مضى ولم يذكره أحد. والقسم بيوم القيامة باعتباره ظرفا لما يجري فيه من عدل الله وإفاضة فضله وما يحضره من الملائكة والنفوس المباركة. وتقدم الكلام على يوم القيامة غير مرة منها قوله تعالى: ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب في سورة البقرة [85] . وجواب القسم يؤخذ من قوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه لأنه دليل الجواب إذ التقدير: لنجمعن عظام الإنسان أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه. وفي «الكشاف» «قالوا إنه (أي لا أقسم) في الإمام بغير ألف» وتبرأ منه بلفظ (قالوا) لأنه مخالف للموجود في المصاحف. وقد نسب إلى البزي عن ابن كثير أنه قرأ لأقسم الأول دون ألف وهي رواية عنه ذكرها الشيخ علي النوري في «غيث النفع» ولم يذكرها الشاطبي. واقتصر ابن عطية على نسبتها إلى ابن كثير دون تقييد، فتكون اللام لام قسم. والمشهور عن ابن كثير خلاف ذلك، وعطف قوله: ولا أقسم تأكيدا للجملة المعطوف عليها، وتعريف النفس تعريف الجنس، أي الأنفس اللوامة. والمراد نفوس المؤمنين. ووصف اللوامة مبالغة لأنها تكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة. وهذا اللوم هو المعبر عنه في الاصطلاح بالمحاسبة، ولومها يكون بتفكيرها وحديثها النفسي. قال الحسن «ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه على ما فات ويندم، يلوم نفسه على الشر لم فعله وعلى الخير
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٣٨) ↗