البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأعراف · الآية ٨٩

﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ وإلى مدين أخاهم شعيبا }... إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا إلى القبيلة المعروفة بمدين { أخاهم } في النسب { شعيبا } يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويأمرهم بإيفاء المكيال والميزان، وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم، وأن لا يعثوا في الأرض مفسدين، بالإكثار من عمل المعاصي، ولهذا قال: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } فإن ترك المعاصي امتثالا لأمر الله وتقربا إليه خير، وأنفع للعبد من ارتكابها الموجب لسخط الجبار، وعذاب النار. { ولا تقعدوا } للناس { بكل صراط } أي: طريق من الطرق التي يكثر سلوكها، تحذرون الناس منها و { توعدون } من سلكها { وتصدون عن سبيل الله } من أراد الاهتداء به { وتبغونها عوجا } أي: تبغون سبيل الله تكون معوجة، وتميلونها اتباعا لأهوائكم، وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها الله لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ودار كرامته، ورحمهم بها أعظم رحمة، وتصدون لنصرتها والدعوة إليها، والذب عنها، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها، الصادين الناس عنها، فإن هذا كفر لنعمة الله ومحادة لله، وجعل أقوم الطرق وأعدلها مائلة، وتشنعون على من سلكها. { واذكروا } نعمة الله عليكم { إذ كنتم قليلا فكثركم } أي: نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات والنسل، والصحة، وأنه ما ابتلاكم بوباء أو أمراض من الأمراض المقللة لكم، ولا سلط عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض، بل أنعم عليكم باجتماعكم، وإدرار الأرزاق وكثرة النسل. { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات، ولا في ربوعهم إلا الوحشة والانبتات ولم يورثوا ذكرا حسنا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة أشد خزيا وفضيحة. { وإن كان طآئفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا } وهم الجمهور منهم. { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين } فينصر المحق، ويوقع …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه (4) ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم، كقوله تعالى: {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98] ، ولم يكن العذاب باشرهم، واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه [ووصوله] (5) عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارا عن شعيب أنه قال لقومه حين قالوا: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} [الأعراف: 88، 89] ، وشعيب [عليه السلام] (6) لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم. وقال قتادة: {إنكم عائدون} إلى عذاب الله.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٥٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لقومه، إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها، وتوعدوه بطرده ومن اتبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: {قد افترينا على الله كذبا} [الأعراف: 89] يقول: قد اختلقنا على الله كذبا، وتخرصنا عليه من القول باطلا إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصرنا خطأها وصواب الهدى الذي نحن عليه، وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ونترك الحق الذي نحن عليه. {إلا أن يشاء الله ربنا} [الأعراف: 89] إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا. {وسع ربنا كل شيء علما} [الأعراف: 89] يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، فإن يكن سبق لنا في علمه أنا نعود في ملتكم ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، فلابد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملتكم.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣١٨) ↗

التحرير والتنوير

المفسرين لهذه الآية. ودليل العصمة من هذا هو كمالهم، والدليل مبني على أن خلاف الكمال قبل الوحي يعد نقصا، وليس في الشريعة دليل قاطع على ذلك، وإنما الإشكال في قول شعيب إن عدنا في ملتكم [الأعراف: 89] فوجهه أنه أجراه على المشاكلة والتغليب. وكلاهما مصحح لاستعمال لفظ العود في غير معناه بالنسبة إليه خاصة، وقد تولى شعيب الجواب عمن معه من المؤمنين ليقينه بصدق إيمانهم. والملة: الدين، وقد تقدم في قوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه في سورة البقرة [130] . وفصل جملة: قال الملأ لوقوعها في المحاورة على ما بيناه عند قوله تعالى: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة [30] . أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) . فصل جملة قال.. لوقوعها في سياق المحاورة. والاستفهام مستعمل في التعجب تعجبا من قولهم: أو لتعودن في ملتنا المؤذن ما فيه من المؤكدات بأنهم يكرهونهم على المصير إلى ملة الكفر، وذلك التعجب تمهيد لبيان تصميمه ومن معه على الإيمان، ليعلم قومه أنه أحاط خبرا بما أرادوا من تخييره والمؤمنين معه بين الأمرين: الإخراج أو الرجوع إلى ملة الكفر، شأن الخصم اللبيب الذي يأتي في جوابه بما لا يغادر شيئا مما أراده خصمه في حواره، وفي كلامه تعريض بحماقة خصومه إذ يحاولون حمله على ملتهم بالإكراه، مع أن شأن المحق أن يشرك للحق سلطانه على النفوس ولا يتوكأ على عصا الضغط والإكراه، ولذا قال الله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [البقرة: 256] . فإن التزام الدين عن إكراه لا يأتي بالغرض المطلوب من التدين وهو تزكية النفس وتكثير جند الحق والصلاح المطلوب.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٧) ↗