سورة الأعراف · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له عظمة القرآن: { كتاب أنزل إليك } أي: كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا { فلا يكن في صدرك حرج منه } أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائما ومعارضا. { لتنذر به } الخلق، فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين. { و } ليكون { ذكرى للمؤمنين } كما قال تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [الذاريات: 55] يتذكرون به الصراط المستقيم، وأعماله الظاهرة والباطنة، وما يحول بين العبد وبين سلوكه. ثم خاطب الله العباد، وألفتهم إلى الكتاب فقال: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } أي: الكتاب الذي أريد إنزاله لأجلكم، وهو: { من ربكم } الذي يريد أن يتم تربيته لكم، فأنزل عليكم هذا الكتاب الذي، إن اتبعتموه كملت تربيتكم، وتمت عليكم النعمة، وهديتم لأحسن الأعمال والأخلاق ومعاليها { ولا تتبعوا من دونه أوليآء } أي: تتولونهم وتتبعون أهواءهم، وتتركون لأجلها الحق. { قليلا ما تذكرون } فلو تذكرتم وعرفتم المصلحة، لما آثرتم الضار على النافع، والعدو على الولي. ثم حذرهم عقوباته للأمم الذين كذبوا ما جاءتهم به رسلهم، لئلا يشابهوهم فقال: { وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا } أي: عذابنا الشديد { بياتا أو هم قآئلون } أي: في حين غفلتهم، وعلى غرتهم غافلون، لم يخطر الهلاك على قلوبهم. فحين جاءهم العذاب لم يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم، ولا أنكروا ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي. { فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } كما قال تعالى: وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلمآ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… 58] . وقوله: {فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته {بياتا} أي: ليلا {أو هم قائلون} من القيلولة، وهي: الاستراحة وسط النهار. وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو (1) كما قال [تعالى] (2) {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} [الأعراف: 97، 98] . وقال: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 45-47] . وقوله: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا. كما قال تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة [وأنشأ بعدها قوما آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا] خامدين} (3) [الأنبياء: 11-15] . وقال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم"، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: قال عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] (4) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم". قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} (5) . وقوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} الآية، كقوله [تعالى] (6) {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65] وقوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٦١) ↗التحرير والتنوير
… نقائص أوليائهم المزعومين. وقرأ الجمهور: ما تذكرون- بفوقية واحدة وتشديد الذال- على أن أصله تتذكرون بتاءين فوقيتين فقلبت ثانيتهما ذالا لتقارب مخرجيهما ليتأتى تخفيفه بالإدغام. وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف- بتخفيف الذال- على حذف إحدى التاءين اختصارا. وقرأه ابن عامر: يتذكرون- بتحتية في أوله ثم فوقية-، والضمير عائد إلى المشركين على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أعرض عنهم ووجه الكلام على غيرهم من السامعين: إلى النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين. [4، 5] 5] وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) عطف على جملة: ولا تتبعوا [الأعراف: 3] وهذا الخبر مستعمل في التهديد للمشركين الذين وجه إليهم التعريض في الآية الأولى والذين قصدوا من العموم. وقد ثلث هنا بتمحيض التوجيه إليهم. وإنما خص بالذكر إهلاك القرى، دون ذكر الأمم كما في قوله: فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية [الحاقة: 5، 6] ، لأن المواجهين بالتعريض هم أهل مكة وهي أم القرى، فناسب أن يكون تهديد أهلها بما أصاب القرى وأهلها ولأن تعليق فعل أهلكناها بالقرية دون أهلها لقصد الإحاطة والشمول، فهو مغن عن أدوات الشمول، فالسامع يعلم أن المراد من القرية أهلها لأن العبرة والموعظة إنما هي بما حصل لأهل القرية، ونظيرها قوله تعالى: وسئل القرية التي كنا فيها [يوسف: 82] ونظيرهما معا قوله: ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون [الأنبياء: 6] ، فكل هذا من الإيجاز البديع، والمعنى على تقدير المضاف، وهو تقدير معنى. وأجري الضميران في قوله: أهلكناها فجاءها بأسنا على الإفراد والتأنيث مراعاة للفظ قرية، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ولفظ ضميره في كلام متصل القرب، ثم أجريت ضمائر القرية على صيغة الجمع في الجملة المفرعة عن الأولى في قوله: أو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗