سورة الأعراف · الآية ٣١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - بعد ما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها. ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذا الأمر بستر العورة في الصلاة، وباستعمال التجميل فيها، ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس. ثم قال: { وكلوا واشربوا } أي: مما رزقكم الله من الطيبات { ولا تسرفوا } في ذلك، والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام. { إنه لا يحب المسرفين } فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأعراف ٣١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ومالك عن الزهري، وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: أنها أنزلت في طوائف المشركين بالبيت عراة. وقد روى الحافظ بن مردويه، من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعا؛ أنها أنزلت (1) في الصلاة في النعال. ولكن في صحته نظر (2) والله أعلم. ولهذه الآية، وما ورد في معناها من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب (3) البياض، كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر". هذا حديث جيد الإسناد، رجاله (4) على شرط مسلم. ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، به (5) وقال الترمذي: حسن صحيح. وللإمام أحمد أيضا، وأهل السنن بإسناد جيد، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" (6) وروى الطبراني بسند (7) صحيح، عن قتادة، عن محمد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى رداء بألف، فكان يصلي فيه. وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا [ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين] } (8) الآية. قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سرفا أو مخيلة. إسناده
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٤٠٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حلال رزقه تبررا عند نفسه لربه: {يا بني آدم خذوا زينتكم} [الأعراف: 31] من الكساء واللباس، {عند كل مسجد وكلوا} [الأعراف: 31] من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم، {واشربوا} [البقرة: 60] من حلال الأشربة، ولا تحرموا إلا ما حرمت عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/١٤٩) ↗التحرير والتنوير
نحو: «يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك» ، أو مجموعا نحو يا بني آدم خذوا زينتكم [الأعراف: 31] . والباء في قوله: بالحق للملابسة متعلقا ب اتل. والمراد من الحق هنا الصدق من حق الشيء إذا ثبت، والصدق هو الثابت، والكذب لا ثبوت له في الواقع، كما قال: نحن نقص عليك نبأهم بالحق [الكهف: 13] . ويصح أن يكون الحق ضد الباطل وهو الجد غير الهزل، أي اتل هذا النبأ متلبسا بالحق، أي بالغرض الصحيح لا لمجرد التفكه واللهو. ويحتمل أن يكون قوله بالحق مشيرا إلى ما خف بالقصة من زيادات زادها أهل القصص من بني إسرائيل في أسباب قتل أحد الأخوين أخاه. وإذ ظرف زمان ل نبأ، أي خبرهما الحاصل وقت تقريبهما قربانا، فينتصب (إذ) على المفعول فيه. وفعل قربا هنا مشتق من القربان الذي صار بمنزلة الاسم الجامد، وأصله مصدر كالشكران والغفران والكفران، يسمى به ما يتقرب به المرء إلى ربه من صدقة أو نسك أو صلاة، فاشتق من القرآن قرب، كما اشتق من النسك نسك، ومن الأضحية ضحى، ومن العقيقة عق. وليس قربا هنا بمعنى أدنيا إذ لا معنى لذلك هنا. وفي التوراة هما (قايين) - والعرب يسمونه قابيل- وأخوه (هابيل) . وكان قابيل فلاحا في الأرض، وكان هابيل راعيا للغنم، فقرب قابيل من ثمار حرثه قربانا وقرب هابيل من أبكار غنمه قربانا. ولا ندري هل كان القربان عندهم يعطى للفقراء ونحوهم أو كان يترك للناس عامة. فتقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل. والظاهر أن قبول قربان أحدهما دون الآخر حصل بوحي من الله لآدم. وإنما لم يتقبل الله قربان قابيل لأنه لم يكن رجلا صالحا بل كانت له خطايا. وقيل: كان كافرا، وهذا ينافي كونه يقرب قربانا. وأفرد القربان في الآية لإرادة الجنس، وإنما قرب كل واحد منهما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٦٩) ↗