سورة الأعراف · الآية ٣٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها. { وإذا فعلوا فاحشة } وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } وصدقوا في هذا. { والله أمرنا بها } وكذبوا في هذا، ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال: { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش، لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وأي افتراء أعظم من هذا؟!! ثم ذكر ما يأمر به، فقال: { قل أمر ربي بالقسط } أي: بالعدل في العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور. { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } أي: توجهوا لله، واجتهدوا في تكميل العبادات، خصوصا " الصلاة " أقيموها، ظاهرا وباطنا، ونقوها من كل نقص ومفسد. { وادعوه مخلصين له الدين } أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراؤوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية الله ورضاه. { كما بدأكم } أول مرة { تعودون } للبعث، فالقادر على بدء خلقكم، قادر على إعادته، بل الإعادة أهون من البداءة. { فريقا } منكم { هدى } الله، أي: وفقهم للهداية، ويسر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. { وفريقا حق عليهم الضلالة } أي: وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية. ف { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله } ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا [النساء: 119] فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران. وهم يحسبون أنهم مهتدون، لأنهم انقلبت عليهم الحقائق، فظنوا الباطل حقا والحق باطلا، وفي هذه الآيات دليل على أن الأوامر والنواهي تابعة للحكمة والمصلحة، حيث ذكر تعالى أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وادعوه مخلصين له الدين} أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله [تعالى] (1) وما جاءوا به [عنه] (2) من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك. وقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون. [فريقا هدى وفريقا حق عليهم] (3) الضلالة} (4) -اختلف في معنى [قوله تعالى] {كما بدأكم تعودون} فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} يحييكم بعد موتكم. وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء. وقال قتادة: {كما بدأكم تعودون} قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا. واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "يا أيها الناس، إنكم تحشرون (5) إلى الله حفاة عراة غرلا {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104] . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، من حديث شعبة، وفي حديث البخاري -أيضا -من حديث الثوري به. (6) وقال وقاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} قال: يبعث المسلم مسلما، والكافر كافرا. وقال أبو العالية: {كما بدأكم تعودون} ردوا إلى علمه فيهم. وقال سعيد بن جبير: {كما بدأكم تعودون} كما كتب عليكم تكونون -وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبا على الله: ما أمر ربي بما تقولون، بل {أمر ربي بالقسط} [الأعراف: 29] يعني: بالعدل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/١٣٩) ↗التحرير والتنوير
… من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم، فالسين والتاء في استكبرتم للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى: إلا إبليس أبى واستكبر [البقرة: 34] وقوله: ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب وقتلوا فريقا وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك [هود: 9] . وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل على ذلك كما في قوله تعالى: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [الأعراف: 30] . وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو طائفة إذا وقع معمولا لفعل في مقام التقسيم نحو يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم [آل عمران: 159] . والتفصيل راجع إلى ما في قوله: رسول من الإجمال لأن (كلما جاءكم رسول) أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى وأساءوا الظن به مرارا في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحين أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزكرياء ويحيى ابنه وأرمياء. وجاء في تقتلون بالمضارع عوضا عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم كقوله: الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه [الروم: 48] مع ما في صيغة تقتلون من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٥٩٨) ↗