سورة الأعراف · الآية ١٨٥
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: والذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى فردوها ولم يقبلوها. { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } بأن يدر لهم الأرزاق. { وأملي لهم } أي: أمهلهم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون، فيزدادون كفرا وطغيانا، وشرا إلى شرهم، وبذلك تزيد عقوبتهم، ويتضاعف عذابهم، فيضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون، ولهذا قال: { إن كيدي متين } أي: قوي بليغ. { أولم يتفكروا ما بصاحبهم } محمد صلى الله عليه وسلم { من جنة } أي: أو لم يعملوا أفكارهم، وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه، ودله وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. أفبهذا يا أولي الألباب من جنة؟ أم هو الإمام العظيم والناصح المبين، والماجد الكريم، والرءوف الرحيم؟ ولهذا قال: { إن هو إلا نذير مبين } أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب. { أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض } فإنهم إذا نظروا إليها وجدوها أدلة دالة على توحيد ربها، وعلى ما له من صفات الكمال. { و } كذلك لينظروا إلى جميع { ما خلق الله من شيء } فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسعة رحمته، وإحسانه، ونفوذ مشيئته، وغير ذلك من صفاته العظيمة، الدالة على تفرده بالخلق والتدبير، الموجبة لأن يكون هو المعبود المحمود، المسبح الموحد المحبوب. وقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقترب أجلهم، ويفجأهم الموت وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك الفارط. { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟!! …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات (1) فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين (2) يحرفون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب". علي بن زيد بن جدعان له منكرات (3) . ثم قال تعالى: يقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر، فإنه لا يجزى (4) عنه شيئا، {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة:41] قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس:101] يقول تعالى: {يسألونك عن الساعة} كما قال تعالى: {يسألك الناس عن الساعة} [الأحزاب:63] قيل: نزلت في قريش. وقيل: في نفر من اليهود. والأول أشبه؛ لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة، استبعادا لوقوعها، وتكذيبا بوجودها؛ كما قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [الأنبياء:38] ، وقال تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} [الشورى:18] وقوله: {أيان مرساها} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "منتهاها" أي: متى محطها؟ وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة؟ {قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة، أن يرد علمها إلى الله تعالى؛ فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية أمرها، ومتى يكون على التحديد، [أي] (5) لا يعلم ذلك [أحد] (6) إلا هو تعالى؛ ولهذا قال: {ثقلت في السماوات والأرض} قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {ثقلت في السماوات والأرض} قال: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون. قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت، ثقلت على أهل السماوات والأرض، يقول: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وإما مكابرة وعناد وافتراء على الرسول. [185] 185] أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) ترق في الإنكار والتعجيب من حالهم في إعراضهم عن النظر في حال رسولهم. إلى الإنكار والتعجيب من إعراضهم عن النظر فيما هو أوضح من ذلك وأعم، وهو ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء مما هو آيات من آيات وحدانية الله تعالى التي دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بها. والمناسبة بين الكلامين: أن دعوة الرسول إلى التوحيد وإبطال الشرك هو من أكبر بواعثهم على تكذيبه أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] . وعدي فعل (النظر) إلى متعلقه بحرف الظرفية، لأن المراد التأمل بتدبر، وهو التفكر كقوله تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21] وتقول نظرت في شأني، فدل بحرف الظرفية على أن هذا التفكر عميق متغلغل في أصناف الموجودات وهي ظرفية مجازية. والملكوت الملك العظيم، وقد مضى عند قوله تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض في سورة الأنعام [75] . وإضافته إلى السماء والأرض بيانية أي الملك الذي هو السماوات والأرض أي ملك الله لهما، فالمراد السماء بمجموعها والأرض بمجموعها الدالين على عظم ملك الله تعالى. وعطف وما خلق الله من شيء على ملكوت فقسم النظر إلى نظر في عظيم ملك الله تعالى، وإلى نظر في مخلوقاته ودقائق أحوالها الدالة على عظيم قدرة الله تعالى، فالنظر إلى عظمة السموات والأرض دليل على عظم ملك الله تعالى فهو الحقيق بالإلهية دون غيره، والنظر إلى المخلوقات دليل على عظم قدرته تعالى، وأنه المنفرد بالصنع فهو الحقيق بالإلهية، فلو نظروا في ذلك نظر اعتبار لعلموا أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٩٦) ↗